ثقافة

“أفكر في قتل أمي”… عنوان جريء، فكرة صادمة ونهاية تُغلق ما كان يجب أن يظل مفتوحاً

Published

on

جوزيفين حبشي

يُعدّ الفيلم القصير، في جوهره، مساحة سينمائية تقوم على اقتصاد صارم في السرد، وعلى قدرة عالية في تحويل فكرة واحدة إلى تجربة مكثفة، محكومة بدقة البناء وخلوّها من الترهل. قوته لا تنبع من الفكرة وحدها، بل من كيفية تحويل هذه الفكرة إلى شكل بصري-درامي مكثف، قادر على إنتاج أثر يتجاوز زمن المشاهدة. ضمن هذا التصور، يصبح معيار النجاح مرتبطا بصلابة البنية، وبكفاءة إدارة الصراع، وبقدرة النهاية على فتح المعنى لا إغلاقه.

وفي هذا الإطار، تكتسب المهرجانات المتخصصة في السينما القصيرة، أهمية خاصة، كونها تشكّل فضاءً لعرض تجارب صاعدة تتقاطع فيها الحساسية الفنية مع بدايات التكوين المهني لصنّاع الأفلام. وغالباً ما تنتمي الأعمال المشاركة في هذا السياق إلى أفلام طلابية أو مشاريع تخرج أو محاولات أولى في بناء لغة سينمائية خاصة، وهو ما يجعل قراءتها النقدية مطالبة بموازنة دقيقة بين تقدير الجرأة التجريبية وبين مساءلة أدوات التنفيذ. من هذا المنطلق، لا تأتي الملاحظات النقدية هنا بوصفها حكماً نهائياً، بل كقراءة تسعى إلى دعم نضج هذه التجارب وتعميق وعيها بأدواتها.

ضمن هذا السياق، حاز فيلم “أفكر بقتل أمي” (I’m Thinking About Killing My Mother) للمخرجة سيلينا فرنسيس الجائزة  الاولى ضمن فئة الافلام اللبنانية القصيرة،  في مهرجان بيروت السينمائي الدولي لأفلام المرأة، مقدّماً طرحاً درامياً شديد الحساسية يتقاطع مع منطقة أخلاقية ووجودية ملتبسة.

ينطلق الفيلم من وضعية إنسانية خانقة: أم مريضة ومقعدة، بلا أفق للشفاء، موصولة بأجهزة دعم الحياة في بلد يعيش انهيارا  كبيرا في قطاع الكهرباء، ما يجعل استمرار حياتها فعلا معلّقاً حرفياً على استمرارية التيار. داخل هذا الشرط، تتفجر المعضلة داخل العائلة: ابن يُكرّس وجوده لتأمين بقاء الأم بأي ثمن، وابنة تجد نفسها أمام سؤال لا يُجاب بسهولة: هل الحفاظ على هذا الشكل من الحياة التي لا أمل لها ، هو تعبير عن حبّ عائلي يرفض الفقد، أم عن فهم ملتبس للكرامة الإنسانية، يدفع باتجاه إنهاء العذاب بوصفه شكلاً من أشكال “الرحمة”؟

Advertisement

من حيث البناء الدرامي، تكمن إحدى نقاط قوة الفيلم الأساسية في خياره الإخراجي بعدم إظهار الأم في القسم الأكبر من العمل. تُبنى صورة الأم ومعاناتها تدريجياً عبر الحوار بين الابنة والابن، وعبر الإشارات السمعية والظرفية المحيطة. بهذا المعنى، ينجح الفيلم في تفعيل خيال المتلقي، ويمنح الشخصية الغائبة بعداً أكثر مأساوية مما لو تم تجسيدها بشكل مباشر. هنا، يلجأ الفيلم على اقتصاد الصورة لتكثيف المعنى، حيث يصبح “غير المرئي” أكثر حضوراً من المرئي نفسه، في انسجام واضح مع منطق الفيلم القصير القائم على الإيحاء لا الإفصاح، حين يُنفّذ بذكاء.

جميل جدا ان نتابع ما حصل مع الام عند انقطاع الكهرباء ومسارعة الابن والممرضة لانقاذها، من خلال نظرات الابنة في المطبخ.  ولكن هذا البناء الواعد على توظيف الغياب يتعثر في لحظته الختامية الحاسمة: الابنة تنظف السمك. الاخ ليس موجودا. الكهرباء  انقطعت مجددا .الابنة لا تتحرك باتجاه غرفة امها، بل تتابع تنظيف السمك ، ثم رأس السمكة المقطوع يتحول إلى صورة رمزية قوية لفعل “القطع” والقرار النهائي. هذا المشهد يشكّل ذروة بصرية ورمزية مكثفة، وكان يمكن أن يكون نهاية مفتوحة شديدة التأثير. لكن قرار إدخال الأم في اللحظة الأخيرة، وهي تمشي  وتنظر الى ابنتها قبل ان تغادر، يقدّم  تفسيراً  زائدا عن الحدث ويبدد هذا التراكم الرمزي، ويحوّل النهاية إلى بيان شبه مباشر عن “التحرر”،  بدل ترك الصورة السابقة تتكلم بعمق وهدوء. هذا النوع من النهايات يفسد قوة الغموض التي كانت قد بُنيت بعناية طوال الفيلم.  بهذا المعنى، تتحول النهاية من اقتراح رمزي مفتوح ، إلى توضيح سهل، يُعيد ضبط المعنى بدل أن يتركه معلّقاً.

على مستوى الكتابة، يعاني السيناريو احياناً من فائض التفسير، حيث يتم تمهيد بعض التحولات بشكل مباشر داخل الحوار، خصوصا بين الأخ والأخت، بما يقلّص من أثر المفاجأة ويضعف من دينامية التوقع. مثلا، عندما يقول الاخ لاخته قبل خروجه:” انتبهي للكهرباء” . هذا ما يجعلنا ندرك فورا ان الكهرباء ستُقطع، فنتوقع  تاليا ما الذي سيحدث.

أما على مستوى التمثيل، أداء الابنة لم يكن بمستوى ثقل الصراع الداخلي الذي تحمله الشخصية. الانفعالات والتوترات بدت سطحية وغير متجذرة في تجربة داخلية مقنعة . وهذا ما جعل الصراع يبدو أقل صدقاً مما يفترض، وأقل تأثيرا بنا نحن المشاهدون. في فيلم يعتمد أساساً على التوتر النفسي، يُعد الأداء التمثيلي عنصراً حاسماً لا يمكن التهاون فيه.

أما جائزة أفضل فيلم لبناني قصير التي نالها ” أفكر في قتل أمي” فيمكنني قراءتها باعتبارها اعترافا بجرأة الطرح وقوة الفكرة  وجاذبية العنوان وذكاء الاخراج في بعض الخيارات مثل ادارة غياب الام عن المشهدية ، أكثر من كونها حكما نهائيا على اكتمال التجربة.

Advertisement
Exit mobile version