فن ومشاهير
الحلقة الاولى من المحافظة ١٥: دراما تسبق العدالة
جوزيفين حبشي
رغم معرفتنا انها ستحرق قلوبنا، انتظرنا الحلقة الأولى من مسلسل “المحافظة 15” على احر من جمر، وقد أحرقتها. منذ اللحظة الأولى، لم نكن نشاهد عملا دراميا فحسب، بل كنا نُستدرج إلى مواجهة. العمل اختار أن يبدأ من لحظة سقوط النظام السوري السابق، من لحظة انكسار القفل، لا ليُقفل حسابا، بل ليقول إن الحساب الحقيقي يبدأ الآن. من باب زنزانة فُتح، خرج رجل، وخرج معه زمنٌ كامل من العتمة. قشعريرة المشهد الأول لم تكن مصادفة. كانت استعادة كثيفة لكل ما حاولنا دفنه: الأسماء، الصور، الوجوه، الكراسي الفارغة على موائد الانتظار. أدركنا سريعا أننا أمام دراما لا تبحث عن الإثارة ولا عن دمعة سهلة، بل عن الحقيقة العارية. عن وجع عاش في بيوت اللبنانيين والسوريين عقودا.
Screenshot
يورغو شلهوب… الله على يورغو شلهوب. هذا النجم الذي غاب او غُيِّب لسنوات طويلة وراء قضبان التعتيم الفني، خرج البارحة نجما الى الضوء مجدداً من خلال ادائه لدور معتقل خرج بعد 28 عاما من الدفن في سجن صيدنايا. لم يحتج يورغو إلى صراخ، كان الصمت أعلى. لم يعتمد على الانفعال، بل على ارتجافة يد، على عين تخاف الضوء كأنه تهمة، على كتفين لم يعتادا اتساع السماء، على جسد يحمل آثار العتمة حتى وهو واقف تحت الضوء. حين خرج إلى الشمس، لم نشاهد رجلا تحرّر، بل إنسانا يصطدم بالحرية. في تلك المساحة بين الضوء والعتمة، وقف يورغو شلهوب، لا كممثل يؤدي دور معتقل، بل كرجل يحمل سنواته الثماني والعشرين في صمته، ويجعلنا نحملها معه. جعلنا نشعر أن الحرية ليست باباً يُفتح فجأة، بل صدمة تُربك الروح. أن الهواء الطلق قد يكون ثقيلاً على رئتين تعوّدتا الاختناق. أن الخروج من القبر لا يعني العودة الفورية إلى الحياة، بل البدء بتعلّمها من جديد. في الحلقة الاولى لم يلعب يورغو شلهوب دور الضحية التقليدية. قدّم كرامة مكسورة، نعم، لكنها لم تفقد شرارتها. كان في أدائه مقاومة صامتة تقول إن الإنسان قد يُدفن، لكنه لا يُمحى. ما قدّمه يورغو البارحة لم يكن تمثيلا، كان شهادة.
Screenshot
بدورها كارين رزقالله قدمت اداءً لا يطلب تعاطفا سريعا، بل يفرض احتراما باردا يشبه الشخصية التي تؤديها. نائبة في البرلمان، مصقولة كخطاب سياسي، حادّة كقرار لا رجعة فيه. في البدء تبني رزقالله جدارا من الصمت أكثر مما تبنيه من الحوار. نظراتها مستقيمة لا تزوغ، طبقة صوتها منخفضة لكن قاطعة، وإيماءاتها مقتصدة إلى حدّ التقشّف. لا تترك منفذا للشفقة، ولا تسمح للمتفرّج أن يرى أكثر مما تريد الشخصية أن تُظهر. البرود هنا ليس غياب إحساس، بل استراتيجية بقاء. كأنها امرأة أقنعت نفسها أن المشاعر ترف لا يليق بمن تعيش في دهاليز السلطة. لكن حين تفاجأ بخروج حبّها الأول من المعتقل السوري، تتصدّع الشخصية . في البداية، ارتباك خاطف في العينين، كسرة غير محسوبة في الصوت، شهيق أطول من المعتاد، وإحساس يتقدّم هذه المرة بلا إذن. هنا تحديدا يتغلّب القلب على الخطاب. نرى المرأة تخرج من شرنقة البرود التي صنعتها بيديها. تتراخى الكتفين، تتكسّر حدّة النظرات، ويتحوّل الجسد ضعفا إنسانيا. الأداء في هذه اللحظات لا يعتمد على الدموع وحدها، بل على ذلك الصراع الصامت بين صورتين: نائبة لا تُهزم، وامرأة لم تتعافَ يوما من حبّها الأول. اداء كارين رزقالله جاء صادقا، موجوعا، كأن النص كُتب بالحبر والدم معا. نصها لا يهادن، ولا يتلطّى خلف الرمزية. حبكة تنطلق من سقوط النظام، لكنها لا تتوقف عند السياسة، بل تغوص في الإنسان: ماذا يتبقّى من العمر حين يُسرق نصفه؟ كيف يستعيد القلب نبضه بعد سنوات من التعذيب؟ وكيف نُرمّم أرواحا كُسرت ألف كسرة؟
Screenshot
سمير حبشي قاد العمل بحساسية عالية. كاميرا تعرف متى تقترب حدّ الاختناق، ومتى تبتعد احتراما لهيبة الألم. لا استعراض، لا متاجرة بالدمع، بل صورة تخدم الحقيقة. والمنتج مروان حداد اختار أن يستثمر في الذاكرة لا في الترفيه، في المواجهة لا في الهروب. وهذا بحد ذاته موقف شجاع.
Screenshot
مع انطلاق الحلقة الاولى من “المحافظة 15” ، لا يبدو أنه مسلسل يُشاهَد ويُنسى. هو دراما ستسكننا، لأنها تسكن أصلا وجعنا الجماعي منذ عشرات السنين. تحية فخر لهذا الفريق ، الذي اختار أن يفتح الجرح بدل أن يزيّنه. تحية الى الكاتبة كارين رزقالله والمنتج مروان حداد والمخرج سمير حبشي وابطاله، من يورغو شلهوب الى نزيه يوسف وميشال حوراني وفيفيان أنطونيوس وأنطوانيت عقيقي ولمى لوند، وناديا شربل وبيو شيحان من لبنان ، وحسن خليل وعدنان أبو الشامات وسوناتا سكاف و سوسن أبو عفار من سوريا.
ل
Screenshot
لمرّة الأولى أشعر أن التركيبة المشتركة بين لبنان وسوريا ضرورة يفرضها النص نفسه. في ” المحافظة ١٥” لا يجتمع ممثلون لبنانيون وسوريون لإرضاء معادلة البيع، ولا لاستثمار فكرة “العمل المشترك” كما اعتدنا في اعمال سابقة. الموضوع هنا متشابك في الذاكرة والسياسة والوجع المشترك. لذلك يصبح وجود ممثلين من البلدين ضرورة درامية، لا خيارا تجاريا.
Screenshot
اخيرا، ومع نهاية الحلقة الاولى، انتابني إحساس غريب، ثقيل، أنني اشاهد كل هذا الوجع والظلم والوحشية على الشاشة، فيما بعض المعتقلين لا يزال مصيرهم مجهولا حتى اللحظة. مخيف الشعور بأن الدراما تسبق العدالة. كأن الحقيقة تُعرض في البيوت، بينما من ارتكب كل هذه الفظائع قد يكون في مكان ما بعيد، يتابع المشهد ببرود، عبر صحن لاقط من روسيا، يحمل كأس فودكا في يده، غير آبه بكل هذه الأرواح التي سُحقت. مفارقة موجعة حدّ الغضب: الضحية تبكي، والمجرم لم يحاسبه أحد بعد.