فن ومشاهير

“الله يستر”…الكوميديا تضع العنصرية أمام المرآة

Published

on

جوزيفين حبشي

العنصرية بالعرق والدين واللون ليست حكراً على بلد أو مجتمع واحد. إنها آفة منتشرة في كل أنحاء العالم. حتى فرنسا، بلد “الحرية والمساواة والأخوّة”، عانت ولا تزال تعاني من العنصرية، ولعل سلسلة الأفلام الفرنسية الشهيرة التي حققت نجاحاً عالمياً Qu’est-ce qu’on a fait au Bon Dieu خير مثال، إذ بنت كوميديتها على عائلة تواجه زيجات بناتها من رجال ينتمون إلى خلفيات دينية وعرقية مختلفة، وما ينتج عن ذلك من صدامات وأحكام مسبقة ومفارقات داخل العائلة.
لكن إذا أردنا، بسخرية مرّة، اختيار البلد المتوَّج على عرش العنصرية، فعلينا، للأسف، أن نتقبل أن لبنان ينافس بقوة على لقب “ملك العنصرية”.
في بلد مثل لبنان شديد التنوع الطائفي، ما زالت العنصرية تتخذ أشكالاً يومية لا تحتاج إلى كثير من الشرح: الأسود يُختزل بكلمة “عبد” ،والخادمة تعني ” سرلنكية” والخادمة الكلاس هي ” فيليبينبة” ، والمسيحي ابن الأشرفية يُنظر إليه أحياناً باعتباره «كلاس وراقي»، فيما يُحمَّل المسلم، في المخيلة الجماعية، صورة النقيض.
قد نعتبر هذا الموضوع كليشيه ومستهلكاً، وقد نقول إننا سمعنا وعشنا هذه النكات مراراً وتكراراً. صحيح، ولكن الحقيقة المؤسفة أن هذا الموضوع القديم لا يزال آنياً، و لا يزال قادرا للاسف على يضحكنا… الى درجة البكاء.
وهذا تحديداً ما تفعله مسرحية “الله يستر” من كتابة نيبال عرقجي وإخراج علي اتحاد، التي افتتحت عروضها أمس على مسرح دوار الشمس.
جورجيت (لمى لوند)، سيدة مسيحية مارونية من الأشرفية، شديدة التمسك بهويتها الطائفية، ستُصدم حين تكتشف أن ابنتها ماري كريستين ( الظريفة جدا ميلسا عزيز) سترتبط بحسن (محمد فوعاني)، الشاب الشيعي من النبطية، وأن أمه فاطمة (مايا يمّين)، المحجبة، مصدومة مثلها ورافضة مثلها لهذا الارتباط.
ولاحقاً، ستجد جورجيت نفسها أمام مفاجآت أخرى مع ابنتها ماري إيلين (نيبال عرقجي)، المقيمة في لندن، وابنها الوحيد جان ماري (وليد عرقجي). أما مفاجأة المفاجآت، فتخبئها لها الابنة الصغرى ماري (جويل منصور)، التي سنترك جنسية زوجها وعرقه وديانته مفاجأة للجمهور.


الموضوع ليس جديداً، صحيح. بل هو، في الحقيقة، من أكثر المواضيع استهلاكاً في الكوميديا اللبنانية: الزواج المختلط، الطوائف، الأحكام المسبقة، والأهل الذين يرفضون “الآخر” قبل أن يعرفوه. لكن ما يُحسب لمسرحية “الله يستر” أنها لا تحاول تجميل الموضوع أو تدوير زواياه. تقول ما اعتدنا أن نقوله في يومياتنا، وتضعه أمامنا على الخشبة بجرأة كوميدية. والأهم أنها لا تهين ديناً أو طائفة على حساب أخرى. لا يوجد “عنصري جيد” و “عنصري سيئ”، فالجميع متساوون في رفض الآخر، لأن العنصرية هنا ليست صفة طائفة بعينها، بل نتيجة أحكام موروثة، وتربية خاطئة، وخوف من المختلف.
كل شخصية تكتشف، بطريقة أو بأخرى، أن المرآة التي ترفعها في وجه الآخر تعكس صورتها هي أيضاً.
وهنا تكمن إحدى نقاط قوة النص: الضحك لا يأتي من السخرية من الطوائف بقدر ما يأتي من كشف تناقضاتنا نحن، ومن الطريقة التي نرث بها أفكاراً جاهزة ثم نتصرف وكأنها حقائق لا تقبل النقاش.
واللافت أن مسرحية “الله يستر” لا تتوقف عند الزواج المختلط، بل تفتح الباب أيضاً على قضايا أكثر اتساعاً: الزواج المدني، علاقة الدين بالعائلة والمجتمع، سلطة العادات والتقاليد على الاختيارات الشخصية، وقضايا المرأة اللبنانية وحقها في أن تختار حياتها بعيداً عن القوالب التي يرسمها لها الآخرون. وهنا تصبح الكوميديا أكثر من مجرد وسيلة لإضحاك الجمهور. إنها طريقة للاقتراب من موضوعات حساسة من دون الوقوع في الوعظ والمباشرة. فالضحكة تفتح الباب، لكن خلفها أسئلة جدية: إلى أي حد نملك حق اختيار حياتنا؟ متى تتحول العادات إلى قيود؟ لماذا نخاف من المختلف قبل أن نعرفه؟ وهل المشكلة في الدين نفسه، أم في الطريقة التي نستخدمه بها لتبرير أحكامنا المسبقة؟


هذه الأسئلة لا تُطرح في المسرحية كبيان فكري، وهذا تحديداً ما يجعلها قابلة للوصول إلى الجمهور. فالكوميديا تمنح القضايا مساحة للتنفس، لكنها في الوقت نفسه تواجه تحدياً دائماً: كيف تضحك من الكليشيه من دون أن تصبح أسيرة له؟ و”الله يستر” تنجح في معظم الوقت في استخدام الكليشيه مادة للسخرية، لا باعتباره حقيقة نهائية.
أما الأداءات، فهي بدورها عنصر اساسي في نجاح المسرحية. لمى لوند تنجح مجدداً في أسر الجمهور بشخصية الأم المسيحية المتعصبة بطرافة كبيرة، وهي منطقة سبق أن أثبتت براعتها فيها في مسرحية “ميري كريم” لوليد عرقجي. إلا أن نجاحها في هذا النوع من الشخصيات يجعلني أتمنى ألا تُحصر فيه، لأنها تملك ما يكفي من الحضور والكاريزما والقدرة على التنويع للخروج إلى مساحات أوسع. فالممثل الجيد لا يكتفي بأن ينجح في المنطقة التي يعرفها، بل يغامر أحياناً بالخروج منها.
أما مايا يمّين الاستثنائية، فتستحق إشادة خاصة. ما يلفت في أدائها ليس فقط قدرتها على الكوميديا، بل تلك القدرة اللافتة على التلوّن وارتداء شخصيات مختلفة تماماً بأدق التفاصيل الجسدية والتعبيرية والانفعالية.هي تؤدي ببراعة واتقان شخصيتين متباعدتين تماماً: فاطمة، أم العريس الشيعي حسن، وأنطوانيت، جارة جورجيت المسيحية النمّامة. وبين الشخصيتين لا نجد مجرد تغيير في الملابس أو الشكل، بل اختلافاً واضحاً في الصوت، والإيقاع، والحضور، وطريقة الحركة والتعبير وردّ الفعل. مايا تبني لكل واحدة منهما شخصية لها قاموسها الخاص، وهذا ما يجعل انتقالها من فاطمة إلى أنطوانيت ممتعاً ومقنعاً في آن.
وفي مسرحية تقوم على تعدد الشخصيات والمواقف والتقاط التناقضات الاجتماعية، يصبح هذا النوع من التلوّن الأدائي قيمة إضافية لا يمكن تجاهلها.
الإخراج يخدم هذا الإيقاع الكوميدي من دون أن يحاول منافسة النص أو الممثلين. المعالجة تترك مساحة للمواقف كي تتقدم وللممثلين كي يصنعوا المفارقة، وهو أمر أساسي في عمل يعتمد على سرعة التفاعل وتوالي المفاجآت.


والأهم أن الإخراج لا يحمّل العرض ما لا يحتاجه. لا استعراض بصري يشتت الانتباه عن الشخصيات، ولا محاولة لفرض الكوميديا من الخارج. الكوميديا تنبع أساساً من المواقف ومن تناقض الشخصيات، ومن تلك المسافة الصغيرة بين ما تقوله الشخصية عن نفسها وما تكشفه تصرفاتها من دون أن تقصد.
وتأتي السينوغرافيا في السياق نفسه: فضاء مسرحي واضح ومباشر، يعتمد على بعض عناصر الديكور التي تؤدي وظيفة درامية وكوميدية في الوقت نفسه، من صور القديسين في بيت جورجيت أم العريس، إلى صور الأنبياء في بيت فاطمة أم العريس. وهي تفاصيل بسيطة، لكنها كافية لرسم هوية المكان والشخصيات من دون إثقال الخشبة.
هذه البساطة تخدم العرض، خصوصاً مع تعدد الشخصيات والانتماءات والمواقع، إذ تسمح بالانتقال بين المواقف من دون تعطيل الإيقاع.

وختاما، لا بد من القول أن “الله يستر” لا تأتي لتكتشف لنا أن العنصرية حاضرة في المجتمع اللبناني، فنحن نعرف ذلك، وربما نمارسه أحياناً من دون أن نعترف به. لكنها تضع هذه الحقيقة أمامنا في قالب كوميدي، وتجعلنا نضحك على أنفسنا قبل أن نضحك على الآخرين.وربما لهذا السبب تحديداً، يبقى الكليشيه صالحاً للمسرح، خصوصا عندما نملك الجرأة على النظر إليه من دون تجميل.
فالضحكة التي تخرج من الصالة ليست بالضرورة نهاية الفكرة، بل بدايتها. وربما هنا تكمن قيمة “الله يستر”: تفتح باباً للنقاش من خلال الضحك، وتضع أمامنا صورة للبنان لا نحب دائماً الاعتراف بها. وربما هذه هي المفارقة الأجمل فيها: نحن نذهب إلى المسرح لنضحك من الشخصيات، ثم نكتشف، في لحظة ما، أن المرآة موجهة إلينا.

Exit mobile version