ثقافة
حنّة….. وواقع استشفائي يتهرّب مثل شاهين
جوزيفين حبشي
“إنتا… (إحم إحم) حنّة، وهرب شاهين”… مثلٌ لبناني شعبي يلخّص، بوقاحة صادقة، حال بلد كامل: شعب يُسحَق يومياً تحت وطأة الانهيار، فيما يبرع المسؤولون في الهروب من المحاسبة، تماماً مثل شاهين.
“حنّة” المثل اللبناني لا تختلف كثيرا عن عالم مسرحية “حنّة” للمخرج والكاتب إيلي كمال. مسرحية مضحكة، مؤثرة وموجعة في آنٍ معا، كمرآة تعكس عبث نظام يعجز عن تحمّل مسؤولية تأمين أبسط حقوق مواطنيه: الاستشفاء، الضمان الصحي، وشيخوخة بكرامة.
Screenshot
“حنّة” هي أيضا الممثلة ندى أبو فرحات التي سبق أن “إن… إحم إحم” وضعها big time بسبب واقع وطن اعتاد تحطيم ابسط حقوق مواطنيه في الشعور بالامان. ندى دفعت، خارج الخشبة، ثمنا حقيقيا لهذا الواقع، حين سقطت في حفرة مكشوفة سُرق غطاؤها، فحطّمت قدمها ولكن …ليس إرادتها. يومها، لم تسمح “لشاهين” أن يهرب، فواجهت الألم على المسرح، وقدّمت مسرحية “آخدة كَسرة” (من إخراج إيلي كمال أيضا) بسخرية لاذعة من منظومة اعتادت الإفلات من المسؤولية.
تدور احداث المسرحية حول امرأة تدخل المستشفى بعد حادث، وتدّعي فقدان الذاكرة، ليس هروبا من الواقع بل محاولة للنجاة منه: وسيلتها الوحيدة لتفادي فاتورة استشفاء لا قدرة لها على دفعها. ويطلق عليها اسم حنّة بانتظار اكتشاف هويتها . الفكرة بسيطة لكنها تفتح بابا واسعا على مأساة جماعية.
في “حنّة “، تقدّم ندى أبو فرحات أداءً استثنائيا وممتعا إلى حدّ كبير. تكمن براعتها أولا في تجسيد شخصية مسنّة بكل تفاصيلها الدقيقة: في الحركة، والصوت، وطريقة الكلام، بحيث تبدو الشخصية حيّة ومقنعة إلى حدّ كبير. هذا الإتقان لا يأتي كاستعراض تقني، بل كمدخل أساسي لفهم التحوّل الذي تبنيه لاحقا داخل الشخصية نفسها. هي طريفة جدا في تقمّصها لشخصية حنّة، فتنسج كوميديا قائمة على البراءة المصطنعة والارتباك الذكي والدهاء الطريف. لكن ما يجعل الأداء أكثر عمقا هو هذا التوتّر الخفي بين القناع وما تحته: “حنّة” الظريفة في مواجهة “عايدة” أقرب إلى الانفجار. وعند لحظة الانكشاف، لا يحدث الانتقال فجأة بقدر ما يتسرّب تدريجيا: يتغيّر الصوت أولا، ثم تتصلّب النظرة، لتسقط بعدها طبقة كاملة من التمثيل، وتظهر “عايدة” بكل وعيها وحدّتها. هذا التحوّل لا يقدَّم كاستعراض تمثيلي، بل كترجمة دقيقة لثيمة العمل الأساسية: التمويه كوسيلة للنجاة. “حنّة” ليست فاقدة ذاكرة بقدر ما هي مواطنة مضطرة للاختباء داخل شخصية أخرى كي تتمكّن من الهروب من نظام يطاردها حتى في مرضها. من هنا، يصبح أداء أبو فرحات أكثر من إتقان تقني، فيتحوّل إلى فعل مقاومة صغير، ذكي ومؤلم في آن. انتقالها السلس بين “حنّة” و”عايدة” يعكس هذا الانشطار القسري الذي يعيشه الفرد في مواجهة واقع لا يُحتمل، حيث يصبح الادّعاء أحيانا الشكل الوحيد الممكن للنجاة.
إلى جانب ندى أبو فرحات، يبرز فريق لا يقل عنها طرافة وحرفية: من سلمى شلبي (سور ماري لويز) إلى الكاتب والممثل كريم شبلي (الشرطي خالد)، وجويس أبو جودة (الممرضة سمر)، حيث قدّم الجميع أداءات متقنة وحضورا طبيعيا، خفيفا وغير متكلّف، يترك مساحة للنص كي يتنفّس. كل ممثل يعرف تماما متى يتقدّم ومتى يتراجع، وهذا ساهم في خلق توازن لافت على الخشبة. هذه الأداءات تبدو بسيطة ظاهريا، لكنها مبنية على وعي دقيق بإيقاع الكوميديا وتوازنها مع البعد الإنساني للشخصيات.
Screenshot
سلمى شلبي تضفي على شخصية الراهبة مزيجا محبّبا من الصرامة والإنسانية، فتنجح في كسر الصورة النمطية من دون افتعال. كريم شبلي يمنح شخصية الشرطي بعدا كوميديا ذكيا، قائما على الشكل والنبرة والأسلوب والحركة والتوقيت. أما جويس أبو جودة، فتشكّل حضورا لافتا في دور الممرضة سمر، المتواطئة مع حنّة، حيث تفجّر الخشبة بضحكتها “المُضحكة” ، وحيويتها العالية، وطاقة مسرحية كبيرة تنعكس في كل ظهور لها وتنعش الإيقاع. الكيمياء بين الممثلين واضحة، وتخلق لحظات كوميدية تصل حدّ الدموع من دون أن تفقد عمقها الإنساني. ولكن العمل لا يخلو من بعض المباشرة، خصوصا في القسم الأخير، حيث يقترب أحيانا من خطاب وعظي وكليشيه، كان يمكن اختصاره أو تمريره بخفّة أكبر. لكن هذا لا يُفقده قوته الأساسية، كعمل يعرف جيدا ماذا يريد أن يقول.
أما الديكور، فهو أحد أذكى عناصر العرض: غيابه هو حضوره. لا شيء تقريبا على الخشبة سوى سرير مستشفى، مصل، كرسي متحرّك، وكرسي حمّام، فيما تُستعاض بقية التفاصيل بيافطات تخبرنا ماذا “يجب” أن نرى: “صورة صليب أو قديس”، “خزانة”، “حمّام”… هذا الخيار لا يبدو مجرد حيلة إخراجية ذكية فقط، بل امتداد مباشر لفكرة التمويه التي تحكم العمل. كما تختبئ “عايدة” خلف قناع “حنّة” لتنجو، يُستبدل الواقع على الخشبة بكلمات تشير إليه بدل أن تجسّده. كل شيء مُعلن ومكشوف، ومع ذلك ناقص. كأن المسرحية تقول إننا نعيش في بلدٍ، واقعه مختلف عن نسخته المثالية. بهذا المعنى، يلتقي أداء ندى أبو فرحات مع رؤية إيلي كمال الإخراجية: كلاهما يبني عالما قائما على القناع. وما بين جسد ممثلة يتنقّل بين هويتين، وخشبة تكتفي بالإيحاء بدل الاكتمال، تتكشّف مأساة أكبر: حين يصبح التمويه هو الحقيقة الوحيدة الممكنة للنجاة.
“حنّة” ليست مجرد مسرحية، بل صفعة ساخرة، موجعة قليلا ومضحكة كثيرا في وجه نظام ما زال، حتى اليوم، يهرب مثل شاهين.
“حنّة” على مسرح مونو ، يومي٣٠ نيسان و١ ايار.