اقتصاد

حين يصبح الراتب للبقاء فقط: ماذا يبقى لجودة الحياة في لبنان؟

Published

on

بقلم الدكتور مازن حيدر

خبير مصرفي واقتصادي | مؤسّس ومدير SkillRise Academy

في نهاية كل شهر، يبدأ المشهد نفسه لدى كثير من العائلات اللبنانية: راتب يدخل الحساب أو يُقبض نقدًا، ثم يتوزّع سريعًا بين الإيجار والكهرباء والطعام والنقل والدواء. وقبل أن يفكّر صاحبه في الادخار أو الراحة أو تطوير مهاراته، يكون قد عاد إلى السؤال الأساسي: كيف نصل إلى نهاية الشهر المقبل؟

هنا، تتجاوز الأزمة حدود القدرة الشرائية، لتطرح سؤالًا أعمق عن معنى العمل ونوعية الحياة التي يتيحها. فحين يصبح الراتب مخصّصًا للبقاء فقط، تضيق المساحة المتاحة للإنسان كي يخطّط ويتعلّم ويطمئن إلى مستقبله.

وجود وظيفة لا يعني تلقائيًا وجود أمان اقتصادي. فالعبرة بما يستطيع الدخل تأمينه بعد تسديد النفقات الضرورية، وبقدرة الأسرة على مواجهة مرض مفاجئ أو إصلاح طارئ من دون الاستدانة. وعندما تغيب هذه القدرة، يتحوّل أي ظرف غير متوقّع إلى أزمة، ويصبح الاستقرار هشًّا حتى لدى من يعملون بانتظام.

Advertisement

وتعكس مؤشرات حديثة حجم هذه الضغوط. فقد أفادت اليونيسف، في تقييم نُشر في أيلول 2026، بأن أربعًا من كل خمس أسر في لبنان تواجه صعوبة في تأمين الاحتياجات الأساسية، فيما ذكرت 46 في المئة من الأسر المستطلعة أنها خفّضت الإنفاق على التعليم. وهي أرقام تفتح النقاش حول ما تخسره العائلة حين تضطر إلى المفاضلة بين حاجات يفترض أن تكون جميعها متاحة. 

جودة الحياة تشمل الوقت مع الأبناء، والحصول على الرعاية الصحية عند الحاجة، وفرصة تعلّم مهارة جديدة، والقدرة على الاستراحة من دون شعور بالذنب. وحين تُختصر هذه الأمور تدريجيًا، يصبح التقشّف مساسًا بالصحة والعلاقات والفرص المستقبلية، وليس مجرد تعديل في لائحة المشتريات.

وقد يلجأ الموظف إلى عمل إضافي لسدّ الفجوة. يرفع ذلك دخله أحيانًا، لكنه قد يستهلك الوقت والطاقة اللذين يحتاج إليهما للحفاظ على توازنه. وإذا استمر هذا النمط، فقد ينعكس إرهاقًا وتراجعًا في التركيز وتوتّرًا داخل المنزل. وعندها، تدفع العائلة جزءًا من كلفة تأمين معيشتها من قدرتها على العيش معًا.

ويمتدّ الأثر إلى الاقتصاد المحلي. فالأسرة التي تحصر إنفاقها في الضروريات تقلّ قدرتها على شراء خدمات ومنتجات أخرى، ما يضغط على المؤسسات الصغيرة وفرص العمل المرتبطة بها. كما أن تأجيل التدريب أو إهمال الرعاية الصحية قد يضعف قدرة الأفراد على تحسين دخلهم لاحقًا، فتطول دائرة الهشاشة بدل أن تنكسر.

لذلك، تحتاج المعالجة إلى ما هو أوسع من دعوة الناس إلى تنظيم مصروفهم. إدارة الميزانية مفيدة، لكنها لا تستطيع تعويض فجوة مستمرّة بين الدخل وكلفة الاحتياجات الأساسية. وتبرز هنا مسؤولية السياسات العامة في تحسين الخدمات الأساسية والحماية الاجتماعية، بما يخفّف ما تضطر الأسر إلى دفعه من دخلها الخاص.

Advertisement

وللمؤسسات دور أيضًا، من خلال مراجعة الأجور وفق معايير واضحة، وتوفير تغطية صحية مناسبة وبدلات نقل وفرص تطوير مهني، واعتماد مرونة في العمل حيث تسمح طبيعة الوظيفة. فهذه الإجراءات يمكن أن تدعم استقرار الموظف وقدرته على الاستمرار والإنتاج.

المطلوب أن يتيح العمل للإنسان هامشًا يتجاوز تسديد الفواتير: أن يعالج نفسه، ويعلّم أبناءه، ويدّخر ولو قليلًا، ويجد وقتًا لحياته. فحين يستهلك الحاضر كامل الراتب، يصبح المستقبل أول ما تؤجّله العائلة. واستعادته تبدأ من اعتبار العيش الكريم معيارًا أساسيًا لنجاح أي تعافٍ اقتصادي

Exit mobile version