فن ومشاهير

بين ” تيتا” مهرجان “كان” و” تيتا” لبنان: أمان أمان!!!

Published

on

جوزيفين حبشي

على سجادة مهرجان كان الحمراء، سارت النجمة  جوان كولينز  بسحرها ورشاقتها وأناقتها باللون الأبيض، وبسنواتها الـ٩٢. ومثلها “تغندرت” جين فوندا  بسنواتها الـ٨٨، وبجمالها ودلالها وفستانها الأسود البرّاق على السجادة الحمراء.

مرّت جوان وجين، ولم يجنّ جنون العالم. مرّتا بشكل عادي ، رغم ان كل منهما ” تيتا” ل٣ حفدة، لديهم هم ايضا احفاد ربما . مرّتا ولم تتحولا إلى “ظاهرة”، ولم تُفتح نشرات الأخبار في المحطات العالمية والمواقع “السوشل ميديايية” لتحليل كيف لا تزالان أنيقتين ومهتمتين بنفسيهما  وهما في عمر “التيتا” ، وكأن عمرهما ٣٠ عاما فقط. فالأناقة والثقة بالنفس والاهتمام بالذات تبدو أموراً طبيعية  جداً جداً في الغرب… لأنها فعلاً طبيعية.

Screenshot

أما عندنا في لبنان، وبعيدا عن مهرجان ” كان”، كان هناك مجرد حفل لكشف جنس المولود، أي Gender Reveal. وما إن ظهرت “التيتا” ابنة الـ٥٥ عاماً، بشورت جينز أظهر رشاقتها، حتى تحولت الحفلة إلى مهرجان رأي عام، وقضية وطنية، وترند، والتيتا إلى ضيفة برامج تلفزيونية وبودكاستية وإعلانية.

Screenshot

لبنان تعامل مع الحدث وكأنه خرق لقوانين الطبيعة، و”كان” الله يحب المحسنين: خذوا هضامة، وطرائف، وتحليلات اجتماعية، ومقابلات، وإعلانات… وكأن السيدة اخترعت نظرية جديدة في الفيزياء، لأنها فقط قررت أن تعيش عمرها بشكل طبيعي.

بعيداً عن الطرافة،  في “كان”  تبقى “التيتا” امرأة طبيعية… اما في لبنان تصبح “التيتا” “  قضية وطنية اجتماعية.  وما حدث مع “التيتا الترند” يكشف شيئاً عميقاً جداً في لاوعي فئة  من المجتمع اللبناني: فئة  تدّعي الحداثة، لكنها لا يزال تتعامل مع عمر المرأة كأنه “وظيفة” لا مرحلة حياة. في المخيلة الشعبية اللبنانية، المرأة مسموح لها أن تكون جميلة ومرغوبة وتهتم بنفسها… ولكن ضمن مهلة صلاحية محددة  عرفيا وليس من خلال دستور مكتوب. بعد عمر معيّن، ( خمسين وما فوق) يَفترض البعض أن هذه السيدة يُفترض بها أن تنتقل بهدوء من خانة “امرأة” إلى خانة “تيتا” أو ” سيدة جليلة”،  وكأن الأنوثة بطاقة عضوية تُسحب منها تلقائياً عند ولادة أول حفيد.

لهذا السبب لم يصبح الفيديو ترند لأن السيدة جميلة فقط، بل لأن المجتمع شعر بصدمة رمزية: “التيتا” لم تؤدِّ الدور المتوقع منها. لم تظهر بتايور بني وبيج، وشينيون ثابت ضد الزلازل، ووجه يحمل استسلاماً للزمن. ظهرت كامرأة مرتاحة بجسدها، وهذا بالذات ما أربك الناس.

Advertisement

Screenshot

يبدو أن مشكلة جزء  من مجتمعنا ليست مع العمر، بل مع فكرة كيف “يُفترض” أن تبدو المرأة بعد عمر معيّن. للأسف، لا يزال كثيرون في لبنان ( اناس عاديون وشرك انتاج  فنية كذلك الامر)  يظنون في قرارة انفسهم،  أن المرأة بعد الخمسين يجب أن تختفي داخل دور “ماما” و “تيتا” بفستان رصين،  شعر خفيف( من دون اكستنشن )، وحضور لا طعم له ولا لون… لا أن تبقى امرأة كاملة، لها أناقتها وثقتها وجسدها وحياتها أيضاً.

والمفارقة المضحكة أن اللبنانيين يعيشون أصلاً وسط ثقافة تقوم بالكامل على تمجيد الشكل: بوتوكس، فيلر، جيم، دايت، عمليات تجميل، صبغات، فيلتر، وهاجس دائم بالشباب. لكن كل هذا يصبح فجأة “دهشة” عندما تقوم به امرأة تجاوزت الخمسين علناً ومن دون اعتذار. نحن نريد المرأة “مرتبة”… لكن لا نريد أن نرى الجهد. نريدها جميلة… لكن بجمال منخفض الصوت، لا صارخ. نريدها أن تهتم بنفسها… لكن من دون أن تبدو سعيدة  وواثقة بنفسها أكثر من اللازم.

للأسف، المجتمع اللبناني، الذي يدّعي التحرر والانفتاح، لا يزال جزء منه، في لاوعيه، يربط صورة المرأة بصورة نمطية متوارثة: أن “التيتا” يجب أن تكون عجوزاً، بكرش واضح، وصدر مترهل، وتجاعيد مستسلمة، وشعر غزاه الشيب بالكامل. لقد نسي البعض أن الأنوثة لا تنتهي بالأمومة، ولا تتقاعد مع “الجَدَدَة”. ونسوا أيضاً أن هيفا وهبي نفسها، رمز للجمال والدلال والرشاقة… هي أيضاً  في الخمسين و”تيتا” ايضاً.

Screenshot

ربما لهذا السبب تحديداً تحولت “تيتا الجينز” إلى ترند: لأنها لم تكسر قواعد الموضة، بل كسرت الصورة الذهنية التي يحب المجتمع أن يضع النساء داخلها، قبل أن  يندهش  وينبهر ويتفاجأ ، عندما يكتشف أن المرأة، حتى بعد الخمسين والستين والسبعين، تبقى… امرأة.

Exit mobile version