فن ومشاهير
صباح التي لا تشبه أحداً، تشبهنا.
جوزيفين حبشي
عندما سأل الاعلامي رالف معتوق الممثلة باميلا الكيك: من تحبين أكثر، صباح أم فيروز؟ كان جوابها: صباح.
الله على هذا الجواب. أعجبني جدا، ليس لأنه ينتقص من قيمة فيروز، ففيروز قامة فنية وإنسانية لا تحتاج إلى شهادة من أحد، بل لأن باميلا أوضحت أن صباح تشبهها أكثر. وهنا تكمن روعة الجواب وصدقه. فالحب الحقيقي للفنان لا يكون دائماً لمن هو الأعظم في نظر الناس والفن، بل لمن نجد فيه شيئاً من أنفسنا.
وأنا أيضاً أشعر أن صباح تشبهني أكثر، تلمسني أكثر . ليست كل الأصوات تُحب، وبعض الأصوات تُحترم، وقليل منها فقط يُشبه الحياة نفسها. صباح كانت من هذا القليل النادر.
حين نتحدث عن صباح لا نتحدث عن مطربة عظيمة فحسب، بل عن حالة كاملة من الضوء. كانت امرأة تمشي في الحياة بقلب مفتوح، تضحك بلا تكلّف، وتحب بلا حساب، وتؤمن بأن الفرح ليس ترفاً بل موقفاً من الوجود.
في حقبة أحبّ الفن الحزن وقدّسه أحيانا، جاءت صباح لتقول إن البهجة أيضاً قيمة إنسانية عظيمة. كانت شمساً حقيقية: أينما حضرت حملت معها طاقةً لا تُفسَّر، وحيويةً لا تشيخ، وأناقةً لا تحتاج إلى جهد. كانت تعرف كيف تكون نجمة من دون أن تفقد عفويتها، وكيف تكون أسطورة من دون أن تتخلى عن بساطة الناس.
أعشق فيها أنها لم تخجل يوماً من حب الحياة. أحبت الفن، وأحبت النجاح، وأحبت الجمال، وأحبت الناس، وأحبت أن تعيش الحياة بكل ألوانها. لم تعتذر يوماً عن فرحها، ولم تتخفَّ خلف صورة مصطنعة من الوقار أو الكآبة كي تبدو عظيمة. كانت عظيمة لأنها كانت صادقة مع نفسها.
في صباح شيء نادر لا نجده كثيراً في الأساطير، خفة الروح. كانت قادرة على أن تجعل النجاح يبدو احتفالاً، والعمر مجرد رقم، والتجاعيد تفصيلاً صغيراً أمام وهج الشخصية. كانت تدخل إلى المكان فتملؤه حياة، وكأنها تحمل معها وعداً دائماً بأن الغد أجمل.
لم تكن رمزاً للفن فقط، بل عنواناً للوفرة في المشاعر. كانت كريمة في الحب، كريمة في الضحكة، كريمة في حضورها، وحتى في أخطائها كانت إنسانة كاملة لا تخشى أن تكون على حقيقتها. ولهذا بقي الناس يحبونها، لأنهم رأوا فيها امرأة حقيقية قبل أن يروا فيها نجمة.
صباح لم تكن صوتاً فقط، بل كانت فلسفة كاملة تقول لنا: عيشوا، افرحوا، اضحكوا، أحبوا، ولا تعتذروا عن نوركم. ولهذا فهمت تماماً ما قصدته باميلا الكيك، فاختيار صباح ليس اختياراً بين صوتين أو مدرستين فنيتين، بل هو اختيار لروح تشبهنا أكثر. روح تؤمن بالحياة مهما قست، وتختار الابتسامة مهما تكاثفت الغيوم، وترى في الفرح شجاعة لا تقل قيمة عن الصبر.
رحلت صباح، لكن شيئاً من شمسها بقي معنا. وكلما ضاقت الحياة، يكفي أن نتذكر ابتسامتها لنعرف أن الأناقة ليست في المظهر فقط، بل في الطريقة التي نواجه بها العالم بقلب ممتلئ بالحب.
لهذا أقول: قد نعشق فيروز وننحني أمام عظمتها، لكن صباح تبقى بالنسبة لبعضنا الحلم الأكثر دفئاً، والضحكة الأكثر إشراقاً، والشمس التي لم تعرف يوماً كيف تغيب. صباح… لا تشبه أحداً ورغم ذلك نشعر أنها تشبهنا.