فن ومشاهير

فيليب أسمر في “بالحرام” : اختناق بصري ووعي درامي

Published

on

جوزيفين حبشي

في الدراما التلفزيونية، قد ينسى المشاهد أحيانا اسم مدير التصوير، ومسؤول الاضاءة ، لكنه نادرا ما ينسى الإحساس الذي تركه مشهدٌ ما في داخله. ذلك الإحساس غالبا ما تصنعه الإضاءة قبل أي عنصر آخر  لأنها ليست مجرد توزيع للأنوار والظلال، بل لغة سردية كاملة تحدد المزاج، وتكشف ما تريد إظهاره، وتخفي ما يجب أن يبقى غامضاً.

Screenshot

في مسلسل  ” بالحرام” للمخرج فيليب اسمر، الاضاءة خافتة، المشهدية  ضبابية  وخانقة، مما يخلق انزعاجا لدى المشاهِد. ترى هل دفع الجمهور لهذا الاحساس مقصود؟ حتماً مقصود، وهو  ابداع يُحسب لفيليب اسمر  الذي حوّل الإضاءة والضبابية  إلى بطل صامت غامض اساسي في المسلسل. منذ الحلقات الأولى، واجهنا نحن المشاهدون عالماً ملبداً بالرماديات، ظلال كثيفة تبتلع أجزاء من الوجوه، وضبابية خفيفة تكسو المَشَهِد كما لو أن الحقيقة نفسها تختبئ خلف ستارة رقيقة.

Screenshot

لفهم هذا الأسلوب، لا بد من التمييز بين نوعين من الإضاءة في الدراما: الإضاءة الواقعية التي تحاكي الضوء الطبيعي كما هو في الحياة اليومية، بحيث لا يشعر المشاهد بوجود تدخل فني واضح. ويكون الهدف هو الشفافية والحياد. اما النوع الثاني فهو الإضاءة التعبيرية  التي لا تلتزم بالواقع بقدر ما تلتزم بالحالة النفسية. قد يكون المكان مضاءً في الواقع، لكن المخرج يختار تعتيمه ليعكس قلق الشخصية أو ضياعها. وهذا ما اختاره فيليب أسمر  في ” بالحرام”. الإضاءة ليست انعكاساً لما يجب أن نراه، بل لما يجب أن نشعر به. هل شعرنا بالثِقل والضبابية والاختناق؟ اذا برافو فيليب اسمر، احسنت  لأن المسلسل قائم على جريمة وأسرار وشبكة من العلاقات المعقدة والغامضة. لا أحد يقول كل شيء، ولا أحد يبدو كما هو. هنا تتجلى وظيفة الإضاءة الخافتة والظلال الكثيفة التي لا تكتفي بخلق جو تشويقي، بل تصبح استعارة بصرية لفكرة الحقيقة الناقصة . حين يُضاء نصف الوجه ويتم اغراق النصف الآخر في الظل، فنحن أمام انقسام أخلاقي أو نفسي. حين تتسلل الضبابية إلى الكادر، فهي لا تشوش الرؤية فقط، بل توحي بأن العالم نفسه غير مستقر. كأن عدسة الكاميرا تقول لنا: لا تثقوا بما ترونه بالكامل.

Screenshot

هذا الأسلوب تقني طبعاً ولكنه فلسفي ايضا . في الدراما النفسية، لا يكون الغموض في الأحداث فقط، بل في كيفية ادراكه والشعور  به. لذلك، تصبح الإضاءة أداة لخلق إحساس بالاختناق داخل المساحات المغلقة، وشعور باللايقين يلازم المشاهد. الظلال هنا لا تموّه الأجساد فحسب، بل تموّه النوايا،  والضوء لا يكشف الحقيقة كاملة، بل يمنحنا ومضات عابرة منها.

Screenshot

هذا الأسلوب هو امتداد حديث لمدرسة “الفيلم نوار” الكلاسيكية، حيث كان الضوء والظل يعكسان عوالم الجريمة والفساد الأخلاقي. لكن في “بالحرام”، يُعاد توظيف هذا الإرث بروح لبنانية معاصرة، أكثر شاعرية وأقل مباشرة. النتيجة أن الإضاءة هنا ليست مجرد خلفية جمالية، بل عنصر سردي أساسي. إنها توازي النص والحوار في أهميتها، وتعمل على مستوى لا واعٍ لدى المشاهد. فكلما تشوشت الصورة قليلا، ازداد شعورنا بأن الحقيقة أبعد مما نظن. وهنا تكمن براعة الأسلوب الذي اختاره فيليب اسمر: عندما تكون الحقيقة درامياً غير واضحة، تصبح الصورة بصرياً غير مكتملة. وعندما يعيش الأبطال الاختناق والضياع الداخلي، يعيش المشاهد هذا  الاختناق والضياع معهم .

Screenshot

قد يزعج هذا الأسلوب بعض الجمهور، ولكنّه في الحقيقة دليل جرأةٍ فنية لا مساومة فيها. جرأةٌ تؤكد أن فيليب اسمر لا يضيء مشاهده ليريح العين، بل ليوقظ الإحساس، وأن اختياره للظلال والضباب لم يكن نزوة جمالية، بل موقفاً إخراجياً واعياً جعل من العتمة لغة، ومن الغموض قيمة، ومن الإضاءة توقيعاً بصرياً يُحسب له ويُضاف إلى رصيده الإبداعي.

Screenshot

Exit mobile version