منوعات
“معكرون بالتوم”
جوزيفين حبشي
يقولون إن الراحلين لا يعودون. بلى، يعودون. يعودون أحياناً على هيئة رائحة، وأحياناً على هيئة طعم، لأنهما الطريق الأقصر إلى الذاكرة. تكفي نفحة عابرة أو نكهة منسية حتى تتصدع جدران السنوات، وتُفتح أبواب ظننا أننا أوصدناها إلى الأبد. عندها تعود الوجوه التي أحببناها، والأصوات التي سكنت أعمارنا، والأماكن التي غادرناها من غير أن تغادرنا.ولهذا، كلما فاحت رائحة “المعكرون بالتوم”، لا أرى طبقاً. أرى دير الأحمر.
Screenshot
أرى السهل الممتد تحت شمس الصيف، وأرى جدي منحنياً على زرعه، يسقي الأرض بعرقه فتردّ له التعب سنابل وفرحاً. أرى جدتي في المطبخ، وأرى يديها اللتين كانتا تعرفان العجين كما تعرفان وجوه أبنائها وأحفادها. كانت تعجن بصبر الأمهات كله، ثم تشكّل العجين أصابع طويلة وتقطعه برفق، كأنها تنقش الذكريات حبّة حبّة، وتخبّئها لنا للأيام القادمة. وبعد السلق يبدأ السحر. ثوم مدقوق بعناية، زيت زيتون يشبه كرم الأرض، عصير حامض بطعم الصيف، ونعناع يابس يحمل في أنفاسه رائحة الحقول. وأحياناً حبوب رمان حمراء، كأن الطبق أراد أن يجمع مواسم القرية كلها في لقمة واحدة.
في رائحة “المعكرون بالتوم” وطعمه تعود جدتي من غيابها الطويل. لا تعود صورةً في إطار ولا اسماً نتذكره في المناسبات، بل كما كانت: تتحرك بيننا، تنادي علينا، وتملأ البيت دفئاً وحياة. ويعود جدي من السهل. وتعود دير الأحمر كما كانت: شمساً فوق التلال، وعنباً يتراقص في العريشة، وكشكاً يفترش سطوح البيوت، وضحكات أولاد خالاتي وأخوالي، وأيادي متعبة تعرف أن المحبة فعلٌ يوميّ لا كلامٌ يُقال.
لم يكن “المعكرون بالتوم” طعاماً بالنسبة إليّ. كان وعداً وموعداً مع الحب والحنين. في مراهقتي كنت أتحجج أحياناً كي لا أصعد إلى القرية في الصيف. فتصلني رسالة جدتي القصيرة: “تعالي، وسأعدّ لك المعكرون بالتوم”. وكان ذلك كافياً. كافياً لأن أقطع المسافات كلها، وأن أطير إلى دير الأحمر كما تطير الفراشة إلى الضوء. اليوم اكتشفت أنني لم أكن أذهب من أجل الطعام وحده، بل من أجل كل ما كان ينتظرني هناك: حضن القرية، ودفء البيت، وصوت جدتي، ولمّة العائلة التي كانت تجعل العالم يبدو أكثر أماناً وأقل قسوة.
Screenshot
كان “المعكرون بالتوم” يجمعنا حوله في الصيف واعياد الرب و السيدة والصليب كما تجمع النار أهل البيت في ليالي الشتاء. كانت خالاتي يضحكن وهنّ يعجنّ ويقطعن ويسلقن ويعصرن الحامض، وكانت الحكايات تُضاف إلى الطنجرة كما تُضاف التوابل. لم يكن الطعام وحده ينضج، بل الذكريات أيضاً.
واليوم، بعد رحيل جدتي، ما زال طعم المعكرون ورائحته يعرفان الطريق إليّ وإلى أمي وخالاتي. كلما فاحت، نشعر أن يدها ما زالت هناك. أن صوتها لم يغادر المطبخ. أن ظلها ما زال يمرّ بيننا خفيفاً كما كان. وأشعر أنني لا أتذوق عجيناً وثوماً وحامضاً، بل أتذوّق طفولتي. اتذوّق الأيام التي كانت أبسط وأجمل، والضحكات التي انطفأت، والوجوه التي غابت، والصيفيات التي عبرت سريعاً من دون أن نعرف أنها ستصبح يوماً أثمن ما نملك. أتذوّق بلدةً ما زالت تسكن في هذا الطبق البسيط الذي يحمل من العمر ما لا تحمله كتب كاملة.
اليوم لم يعد “المعكرون بالتوم” أحبّ أطباقي لأنه لذيذ فحسب، بل لأنه كان اللغة التي كانت جدتي تعبّر بها عن حبها. لم تكن تقول: “اشتقت إليك”، كانت تقول: “تعالي، سأعدّ لك المعكرون بالتوم”. وكان ذلك يعني كل شيء.
اليوم، أفهم أن بعض الأطعمة لا تُشبع الجوع فقط، بل تُطعم الروح أيضاً. وأن بعض النكهات تبقى في الفم دقائق، فيما تبقى أخرى في القلب عمراً كاملاً.
قد تتناولون “المعكرون بالتوم” يوماً وتقولون: عادي، إنه مجرد طبق لبناني قروي من بلاد الشمال والبقاع. إنه مجرد عجين وثوم وحامض مع رشة نعناع يابس. أمّا أنا فأراه أجمل وأطيب ما في هذا العالم كله. إنه جدتي وجدي، وبيتهما القديم، وأمي وأبي وأخوتي وضحكات خالاتي، والطريق إلى دير الأحمر، وطفولتي ومراهقتي وصيفياتي كلها مجتمعة في صحن واحد.
لا أعرف إن كانت الذاكرة تسكن الأماكن أم الروائح. لكنني أعرف أن رائحة “المعكرون بالتوم” تحمل لي وطناً كاملاً. تحمل بيتاً لم يعد كما كان، وأشخاصاً غابوا وبقي أثرهم عالقاً في تفاصيل صغيرة لا تموت. لهذا، لن يكون “المعكرون بالتوم” يوماً مجرد طبق على مائدة. إنه الطريقة التي تعود بها جدتي إليّ. إنه الرسالة التي ما زالت تصلني من دير الأحمر بعد كل هذه السنوات: “تعالي”. فأطير إليها، كما تطير الفراشة نحو الضوء.
لهذا أخاف على هذه الرائحة وهذا الطعم أكثر مما أخاف على أي شيء آخر. هما آخر ما تبقّى لي من زمنٍ كان كاملاً. وإذا كانت العطور الفاخرة تُحفظ في زجاجات من كريستال، فإن عطري الأثمن ما زال يُحفظ في ذاكرة القلب: رائحة “المعكرون بالتوم”، تلك الرائحة التي كلما عبرت بي، أعادت إليّ سهلاً وبيتاً وجدّةً وعمراً لن يتكرر.