منوعات
نادين نعمة: حين تلتقي الذاكرة بالنبيذ… وتعود محطة بعبدا إلى الحياة
في مدينة تختزن في حجارتها الكثير من تاريخ لبنان، تعمل نادين نعمة على أن تبقى بعبدا حاضرة، لا كذاكرة من الماضي فحسب، بل كمدينة نابضة بالثقافة والفن والحياة العامة. كرئيسة للجنة مهرجانات بعبدا وناشطة في الشأن العام والثقافي، تحمل نعمة رؤية تقوم على إعادة اكتشاف الأماكن التي صنعت جزءًا من ذاكرة قضاء بعبدا، ومنحها حياة جديدة تليق بتاريخها ومكانتها. ومن هذه الرؤية يأتي Chemin du Vin، الحدث الذي تستضيفه محطة قطار بعبدا التاريخية يومي 26 و27 أيلول، في لقاء يجمع النبيذ اللبناني بالتراث والموسيقى والضيافة.
من محطة كانت يومًا شاهدة على حركة الناس والقطارات، إلى مساحة جديدة تحتفي بالحياة؛ ومن سكة كانت تصل لبنان بمحيطه، إلى نبيذ لبناني يحمل صورة لبنان إلى العالم… كان لنا هذا الحوار مع نادين نعمة حول فكرةChemin du Vin، رمزية المكان، والرسالة التي تقف خلف هذا الحدث.
1. نادين، كيف وُلدت فكرة «Chemin du Vin»، وما الذي دفعكم إلى إطلاق هذا المهرجان؟
الفكرة بدأت من رغبة في إقامة مهرجان للنبيذ في منطقة بعبدا، إذ لم يسبق أن أُقيم مهرجان مخصص للنبيذ في بلدة بعبدا أو في قضاء بعبدا بهذا الشكل. وبما أننا في مهرجانات بعبدا الدولية ننظر إلى قضاء بعبدا ككل، أردنا أن نطلق مبادرة جديدة من قلب البلدة. ومن هنا جاءت فكرة الجمع بين النبيذ ومحطة قطار بعبدا التاريخية. وجدنا أن هناك رابطًا رمزيًا جميلًا بين الاثنين. فسكة القطار كانت يومًا وسيلة تصل لبنان بمحيطه وتنقل الناس والبضائع، بينما النبيذ اللبناني اليوم يعبر الحدود ويحمل معه صورة لبنان وإبداعه وإنتاجه إلى العالم.
أردنا أن نجمع بين الفكرتين: كما كانت السكة وسيلة لنقل لبنان، أصبح النبيذ اللبناني اليوم سفيرًا للبنان إلى العالم.
2. لماذا اخترتم محطة قطار بعبدا تحديدًا؟ وما الرمزية التي يحملها هذا المكان؟
محطة قطار بعبدا ليست مجرد مكان جميل لإقامة حدث. هي من المعالم الأساسية في ذاكرة بعبدا، وتحمل جزءًا من تاريخ المدينة ولبنان.
حين دخلنا إلى المكان، رأينا أن مهرجان النبيذ يمكن أن يكتسب فيه بُعدًا مختلفًا تمامًا. نحن لا نقدم النبيذ في مساحة عادية، بل في موقع تاريخي، وسط طبيعة وأجواء خريفية، وفي مكان له ذاكرة خاصة عند أهل بعبدا.
وهذا تحديدًا ما أردناه: أن يأتي الناس إلى المكان، يكتشفوه، يعيشوا أجواءه، ويتعرفوا إلى جزء من تاريخ بعبدا ربما لم تتح لهم فرصة اكتشافه من قبل.
3. المهرجان يجمع بين النبيذ والتراث والموسيقى والأجواء الاحتفالية. كيف أردتم أن تكون تجربة الزائر مختلفة عن مهرجانات النبيذ الأخرى؟
لم نرد أن يكون Chemin du Vin مهرجان نبيذ بالمعنى التقليدي فقط. أردناه تجربة كاملة. الزائر يأتي ليتذوق النبيذ اللبناني، لكنه في الوقت نفسه يعيش زيارة سياحية وثقافية، يستمتع بالموسيقى والمأكولات والأجواء، ويكتشف محطة تاريخية في بعبدا.
وهذا أساس عملنا في مهرجانات بعبدا الدولية: الفن بالنسبة لنا جزء من الصورة، لكن إلى جانبه دائمًا هناك هدف ثقافي أو سياحي أو إنساني أو إضاءة على موقع أو منتج لبناني. نحن نحب أن يكون لكل مهرجان فكرة ورسالة، وليس مجرد حفلة.
4. إلى أي مدى كان الحفاظ على الطابع التراثي لمحطة قطار بعبدا جزءًا أساسيًا من فكرة المهرجان؟
كان أساسيًا جدًا. منذ البداية كان واضحًا بالنسبة لنا أن جمال المكان يكمن في هويته الأصلية، ولذلك حرصنا على ألا نغيّر شيئًا فيه.
لم نجرِ تغييرات على الأرض أو على طبيعة المكان، وحتى الأشجار والنباتات تركناها كما هي، حرصًا على أن يدخل الزائر إلى المحطة فيراها كما هي، بطابعها التاريخي والتراثي.
هذا المكان لا يحتاج إلى أن نضيف إليه الكثير. هويته هي جماله، وذاكرته هي جزء من التجربة.
5. لبنان معروف منذ آلاف السنين بثقافة صناعة النبيذ. كيف يسهم«Chemin du Vin» في إبراز هذه الثقافة والتراث اللبناني؟
النبيذ جزء عميق من تاريخ لبنان. وعندما نتحدث عن تاريخ صناعة وتجارة النبيذ في المنطقة، نعود إلى الفينيقيين وإلى إرث يمتد لآلاف السنين.
لذلك أردنا أن يكون هذا الحدث أيضًا مناسبة للتعريف بالنبيذ اللبناني، ليس فقط كمنتج، بل كجزء من ثقافتنا وإبداعنا وتراثنا.
اليوم، عندما يصل النبيذ اللبناني إلى أسواق العالم، فهو لا يحمل فقط اسم المنتج، بل يحمل معه صورة عن لبنان وعن قدرته على الإنتاج والإبداع.
ومن هنا يأتي الرابط الجميل مع محطة القطار: السكة كانت تصل لبنان بالعالم، واليوم النبيذ اللبناني يقوم بدور آخر في إيصال صورة لبنان إلى العالم.
6. ماذا أردتم أن تقدّموا من خلال هذا المهرجان لمحبي النبيذ، وماذا عن الأشخاص الذين ليست لديهم معرفة كبيرة بهذا العالم؟
أردنا أن يكون المهرجان مفتوحًا للجميع، وليس فقط للأشخاص المتخصصين أو الذين لديهم معرفة واسعة بالنبيذ.
ولهذا اخترنا أن يكون الدخول مجانيًا، حتى نتيح للبنانيين وللمقيمين في لبنان وللزوار فرصة الوصول إلى المكان والتعرف إليه، وفي الوقت نفسه اكتشاف النبيذ اللبناني ضمن أجواء بسيطة وممتعة.
الفكرة أن يأتي الشخص ليستمتع بالأمسية، وبالموسيقى والمأكولات، ويتعرف إلى النبيذ اللبناني بطريقة طبيعية، وربما يكتشف عالمًا جديدًا بالنسبة إليه.
7. المهرجان يجمع عددًا من الجهات والمؤسسات المعنية بالنبيذ والتراث. كيف تصفين أهمية هذا التعاون في إنجاح الحدث؟
هذا النوع من الأحداث لا يمكن أن ينجح من دون تعاون. ونحن أردنا منذ البداية أن يكون هناك تلاقٍ بين أكثر من جهة وأكثر من قطاع.
هناك تعاون مع الجهات المعنية بالنبيذ، كما أن هناك حضورًا للجهات الرسمية المرتبطة بالموقع، ومن بينها وزارة الزراعة ووزارة الأشغال والنقل ومديرية سكك الحديد. وهذا بحد ذاته مهم، لأننا لا نتعامل مع المحطة كموقع لإقامة حدث فقط، بل كموقع تراثي وسياحي وثقافي يمكن أن يلتقي حوله أكثر من قطاع.
8. ما أبرز الفعاليات والتجارب التي ينتظرها الزوار في 26 و27 أيلول؟
على مدى يومين، ستكون المحطة مساحة مفتوحة للنبيذ والموسيقى واللقاء.
يوم السبت 26 أيلول، سيكون معنا الفنان جوني عواد في التاسعة مساءً، إلى جانب حضور DJ Rony خلال يومي المهرجان.
أما يوم الأحد 27 أيلول، فيحيي ناجي رفول الأمسية عند السابعة مساءً، مع استمرار أجواء الـDJ والنبيذ والمأكولات.
والأهم أن كل ذلك سيجري في محطة قطار بعبدا التاريخية، والدخول مجاني، حتى تكون التجربة متاحة لأكبر عدد ممكن من الناس.
9. ما الذي يميّز «Chemin du Vin»، وما التفاصيل التي حرصتم على إضافتها لتكون التجربة متكاملة؟
أعتقد أن أهمّ ما يميّز الحدث هو أنه لا يفصل بين العناصر. نحن لا نقدم النبيذ وحده، ولا الموسيقى وحدها، ولا الموقع التراثي وحده.
نحن نجمعها كلها في تجربة واحدة: نبيذ لبناني، موقع تاريخي، موسيقى، مأكولات، طبيعة، وذاكرة.
حتى اختيار الخريف له دلالة. كثيرون ينظرون إلى الخريف كفترة هادئة أو ما يُعرف بالـdead season، ونحن أردنا أن نقول العكس: الخريف جميل أيضًا، وبعبدا يمكن أن تكون وجهة للزيارة في نهاية أيلول، وليس فقط في موسم الصيف.
10. إقامة مهرجان في ظل الظروف التي يمر بها لبنان ليست مهمة سهلة. ما أبرز التحديات التي واجهتموها خلال التحضير؟
أكيد، إقامة أي نشاط في هذه الظروف تحمل تحدياتها. ومهرجانات بعبدا الدولية نفسها انطلقت في فترة صعبة، وكنا في كل مرة نضطر إلى التعامل مع الظروف الأمنية وإمكانية تأجيل بعض النشاطات.
بدأنا نشاطنا أيضًا من خلال مساعدة الإخوة النازحين الذين لجأوا إلى بعبدا نتيجة العدوان. اليوم، ربما إقامة هذا الحدث تحمل شيئًا من المغامرة، لكننا أردنا رغم كل الظروف أن نقوم به. أردنا أن يشعر أبناء القضاء والمنطقة بأن هناك حياة، وأن هناك مساحة للفرح واللقاء.
11. ماذا يعني لكِ شخصيًا أن تنظّمي مهرجانًا يسلّط الضوء على منطقة بعبدا وعلى أحد مواقعها التراثية؟
بعبدا بالنسبة لنا ليست فقط منطقة تُعرف بالإدارات الرسمية والمؤسسات والسفارات والقصر الجمهوري ووزارة الدفاع وغيرها.
بعبدا لديها أيضًا تاريخ، وثقافة، ومواقع جميلة تستحق أن تُكتشف.
ومن خلال مهرجانات بعبدا الدولية، نريد أن نسلّط الضوء على هذه الصورة الأخرى لبعبدا، وأن نعرّف الناس إلى معالمها، ليس فقط داخل البلدة، بل في مختلف بلدات قضاء بعبدا.
وهذا بالنسبة لي جزء أساسي من معنى المهرجان: أن نعيد تعريف الناس بالمكان الذي يعيشون فيه، وأن نذكّرهم بما يملكه من جمال وتاريخ.
12. هل ترين أن مثل هذه الفعاليات يمكن أن تساهم في إعادة إحياء المواقع التراثية وتحويلها إلى وجهات سياحية وثقافية؟
أكيد. وهذا أحد الأهداف التي نأمل أن يفتحها هذا الحدث.
عندما نستخدم موقعًا تاريخيًا بطريقة تحافظ على هويته، وفي الوقت نفسه نفتح أبوابه أمام الناس، يصبح الموقع جزءًا من الحياة اليومية والثقافية من جديد.
ونحن نتمنى أن تكون هذه التجربة أيضًا رسالة إلى الجهات الرسمية: هناك مواقع جميلة في لبنان يمكن أن تستضيف نشاطات ثقافية وفنية وسياحية، شرط أن نحافظ عليها ونحترم تاريخها.
ربما عندما يرى الناس هذه الأماكن ويكتشفونها، يصبح هناك اهتمام أكبر بالحفاظ عليها والاستثمار الثقافي فيها.
13. هل تطمحون إلى أن يتحول «Chemin du Vin» إلى مهرجان سنوي ثابت في بعبدا؟
الفكرة الأساسية اليوم هي أن نقدم تجربة مختلفة وناجحة، وأن نفتح من خلالها الباب أمام مزيد من المبادرات التي تعرّف الناس إلى بعبدا ومواقعها.
نحن نؤمن أن المهرجانات يمكن أن تكون وسيلة لإحياء المكان، وليس فقط لإقامة حدث فيه، ولذلك الأهم بالنسبة لنا أن تستمر هذه الرؤية وأن تتوسع.
Chemin du Vin هو بداية لفكرة أكبر: أن تصبح الأماكن التي تحمل ذاكرة بعبدا جزءًا من حاضرها ومستقبلها.
14. ماذا تتمنين أن يأخذ الزائر معه بعد انتهاء المهرجان، بعيدًا عن أجواء الاحتفال؟
أتمنى أن يأخذ معه أكثر من ذكرى أمسية جميلة.
أتمنى أن يخرج وهو قد اكتشف مكانًا ربما لم يكن يعرفه، وتعرّف إلى جزء من تاريخ بعبدا، وتذوّق النبيذ اللبناني، واستمتع بالموسيقى، وقضى وقتًا جميلًا.
لكن الأهم أن يحمل معه صورة مختلفة عن بعبدا: أن يعرف أنها ليست فقط مدينة إدارات ومؤسسات، بل مدينة تاريخ وثقافة وتراث وحياة.
وأتمنى أيضًا أن تكون الرسالة رسالة أمل، خصوصًا بعد كل ما عاشته المنطقة ولبنان. أن نعيد للناس شعورًا بأن هناك حياة، وأن هناك أماكن يمكن أن نلتقي فيها ونفرح ونحتفل بلبنان.
15. وأخيرًا، لماذا يجب على الناس أن يزوروا «Chemin du Vin» يومي 26 و27 أيلول؟ وما الرسالة التي توجهينها إلى الجمهور؟
لأنها فرصة لنعيش شيئًا مختلفًا.
أن تأتي إلى بعبدا، إلى محطة قطار تاريخية، وتجلس بين الأشجار، وتكتشف المكان، وتتذوق النبيذ اللبناني، وتستمع إلى الموسيقى، وتلتقي بالناس، وتعيش أمسية جميلة في موقع يحمل الكثير من ذاكرة لبنان.
وأقول للناس: تعالوا إلى بعبدا، ليس فقط لتشاهدوا مهرجانًا، بل لتكتشفوا مكانًا.
تعالوا لنتذكر أن لبنان لديه أماكن جميلة وتاريخ غني، وأن هذه الأماكن يمكن أن تعود لتكون جزءًا من حياتنا.
ربما توقفت القطارات منذ سنوات، لكننا نريد أن تعود الحياة إلى هذه المحطة.
وهذا هو Chemin du Vin بالنسبة لنا: أن نأخذ مكانًا من ذاكرة لبنان، ونمنحه من جديد مساحة للحياة.