ثقافة
وسكتت عن الكلام المباح: امرأة بلا صوت، ومجتمع يشرحها
جوزيفين حبشي
لما حَكَت مريم، سكتت شهرزاد عن الكلام المباح، وانتهت المسرحية. وحين تصمت برناديت حديب على خشبة المسرح، يبدأ كل شيء.
“وسكتت عن الكلام المباح” ليست مسرحية تُشاهَد، بل تجربة تُعاش تحت الجلد. عمل لا يطلب من المتفرّج أن يفهم، بل أن يحتمل. أن يجلس في العتمة ويواجه ثقلاً أخلاقياً وإنسانياً لا مفرّ منه، من دون وعود بالخلاص أو لحظة طمأنينة أخيرة.
أعمال سينمائية وتلفزيونية ومسرحية كثيرة تناولت في السابق ولا تزال، تعنيف المرأة. أعمال صرخت حتى بُحَّ الصوت، تلوّت وجعا جسديا ونفسيا ، بكت، اتّهمت، أو أعادت إنتاج الألم حتى فقد حدّته. القليل فقط امتلك الجرأة على كسر القالب، وعلى الخروج من الخطاب المعتاد والتخلّي عن الكليشيه الجاهز مثل مسرحية ” وسكتت عن الكلام المباح”. هنا لا شعارات ولا خطب ولا مشاهد مصمَّمة لإرضاء الضمير. هنا خيار واعٍ بأن يُروى العنف من مكان آخر: من المسكوت عنه، من المنطقة التي لا تُقال لأنها أكثر فجاجة مما نحتمل.
اختيار المشرحة ليس تفصيلاً بصرياً، بل موقفاً. في هذا الفضاء البارد، تُعرّى الحقيقة كما تُعرّى الأجساد: بلا زينة، بلا أعذار، وبلا محاولات تجميل. لا تُشرَّح الجثة وحدها، بل تُفكَّك حياة كاملة من القهر اليومي. العنف لا يُقدَّم كحادثة منفصلة، بل كبنية، كنظام متكامل، متراكم، يعمل بصمت ودقّة. المشرحة هنا ليست مكان موت، بل مكان اعتراف متأخر، حيث ما لم يُقَل في الحياة يُفرض حضوره بعد فوات الأوان.
Screenshot
من هذه الصورة القاسية تنطلق المسرحية: امرأة ممدّدة بين الموت والموت، تتحوّل إلى محور تدور حوله شخصيات أربع، كلٌّ منها يحمل منطقه، ومخاوفه، وآلياته الخاصة في التبرير. الجميع يحاول تفسير ما جرى، لا بهدف إنقاذ الضحية، بل لإعادة إنتاج الخطاب نفسه بأشكال مختلفة. المرأة، الوحيدة بين أربعة رجال، لا تُمنح حق الكلام، بل تُمارَس عليها عملية تفسير مستمرة، وكأن جسدها صار ساحة اختبار للأفكار لا للعدالة.
عصام بو خالد، كاتب العمل ومخرجه وبطله، يقدّم شخصية الزوج المعنِّف من دون كاريكاتور أو تسطيح. هو رجل يعرف كيف يناور، كيف يموّه الجريمة بمفردات الحب والغيرة والحرص. أداؤه خطِر لأنه مقنع، ولأنه يدخل إلى المنطقة الرمادية حيث يصبح العنف مبرّراً و “مفهوماً ” حسب منطقه هو. يضع المتفرّج في مواجهة مباشرة مع خطاب مألوف، خطاب يشرعن الضرب باسم العاطفة، ويُرهق الضحية حتى بعد موتها.
إلى جانبه، يحضر الطبيب الشرعي (شربل عون) ومساعده (علي بليبل) بوصفهما صوتين للعقل والمؤسسة، يحاولان الإمساك بالحقيقة عبر العلم والتشخيص. لكنهما يصطدمان بعجز المنهج أمام عنف يتجاوز الجسد إلى البنية الاجتماعية. أما المعالج بالموسيقى، (أحمد الخطيب) فيشكّل حضوراً حسّياً مغايراً داخل هذا البرود، يفتح فجوة إنسانية دقيقة، ويذكّر بأن ما تحطّم ليس الجسد فقط، بل الإحساس، والذاكرة، والقدرة على الترميم.
وسط هذا كله، لا “تؤدي” برناديت حديب دور المرأة المعنَّفة، بل تُسلّمه جسدها. جسدها المعلّق هنا ليس أداة تمثيل، بل وثيقة. أرشيف حيّ للألم، للخوف، للانكسار المتراكم، ولصبر قاس يشبه التواطؤ القسري مع النجاة. هي لا تتكلم، لأن الكلام سيكون خيانة لهذه الكثافة. كل تفصيلة جسدية تقول إن اللغة، مهما اتّسعت، تبقى أضيق من أن تحتوي ما تعرّضت له هذه المرأة. كأنها تعلن، من دون شعار، أن بعض الآلام لا تُروى بل تُحمَل.
Screenshot
المسرحية تماما كتلك الجثة ، لا ترفع صوتها، ولا تطلب التعاطف، ولا تستجدي الغضب. قوتها في هذا الامتناع. في هذا القرار القاسي بأن تتركنا وحدنا أمام الصمت، من دون خطاب يخفّف وطأة الذنب. هنا يتحوّل المتفرّج من مشاهد إلى شاهد، وربما إلى متّهم. لأن الصمت الذي نراه على الخشبة يشبه صمتنا خارجها أكثر مما نحب أن نعترف.
تستفز المسرحية المشاهد الذكوري لأنها لا تمنحه مخرجاً أخلاقياً سهلاً، ولا تسمح له بالاختباء خلف إدانة سطحية. وفي المقابل، لا تقدّم للمرأة خطاب تمكين جاهزاً أو شعارات مريحة، بل تضعها أمام مرآة قاسية: الخوف، الصمت، والنجاة المستحيلة.
العنوان، المستعار من اشهر قصص “ألف ليلة وليلة” يُستعاد هنا بمرارة. شهرزاد كانت تحكي لتنجو. أما في هذا العمل، فالحكاية لا تنقذ. الكلام يأتي متأخراً، أو لا يأتي أبداً. وكأن المسرحية تقول إن الزمن تغيّر، وإن الصمت لم يعد حلّاً للبقاء، بل جزءاً من آلية العنف نفسها.
Screenshot
“وسكتت عن الكلام المباح” مسرحية غير تقليدية وبعيدة عن الكليشيه، موجعة لأنها صادقة، وجريئة لأنها لا تشرح نفسها، وشاعرية لأنها تؤمن أن المسرح لا يجب أن يُقنع، بل أن يترك ندبة. مسرحية تترك الجرح مفتوحاً، لأن ما يُغلق بسرعة يُنسى بسرعة، وما يُنسى بسرعة ،يُعاد ارتكابه بسرعة. مسرحية لا تمنح خلاصاً، لأن الخلاص لم يعد ممكناً. كل ما تفعله أنها تذكّرنا بأن الصمت الذي أنقذنا يوماً، كان دائماً يقتل أحداً آخر.
Screenshot