فن ومشاهير

“مرقت الايام” … تجربة بصرية متقنة تقنيا، فارغة وجدانيا

Published

on

جوزيفين حبشي

شاهدت فيديو كليب أغنية زياد برجي “مرقت الأيام”،  من كلماته وألحانه، وإخراج إيهاب غيث، والمصمَّم عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي. الاغنية جميلة ومؤثرة، ولكن هل الفيديو كليب ايضا؟؟؟؟ مهما كانت الغاية من اللجوء إلى تقنية ال AI، وجدتُها باردة في تجسيد فكرة شديدة الألم، فكرة يُفترض أن تُربك المشاهد وتجرحه,  لا أن تمرّ عليه بسلاسة رقمية.

لا يمكن إنكار أن المشاهدة الأولى قد تُحدث نوعا  من الانبهار، فالتكنولوجيا المستخدمة قادرة على خلق عالم بصري متكامل، يبدو كأنه خارج من فيلم هوليوودي كلاسيكي عن الحرب العالمية الثانية. عالم مصقول بعناية، متناغم الالوان والاشكال، يستعرض قدرات تقنية قد توحي بعمل يستحق جائزة أوسكار ولكن….  ما إن تزول دهشة اللحظة الأولى، حتى تتكشف الفجوة بين الإبهار البصري وغياب الأثر الوجداني.

Screenshot

قيل في الصحافة إن الكليب يقدّم مشاهد مؤثّرة  تستحضر أيّام الحرب بما حملته من فراق ووجع وذكريات لا تُمحى، وإن اللقطات تعكس حجم الألم الذي خلّفته الحرب عبر  قطار محطّم ومبان مدمّرة  ومدينة أنهكها الدمار. لكن ما يظهر فعليا على الشاشة هو حرب بلا ثقل، ووجع بلا قسوة، وذاكرة مُفلترة بعناية تقنية، فالمدينة المنهكة تظهر كخلفية جمالية محسوبة، أقرب إلى لوحة مصمّمة بعناية منها إلى مكان فقد روحه. حتى قصة الحبيبين، التي يُفترض أن تختزن فراقا موجعا، تُقدَّم كحالة رومانسية معلّقة، بلا ارتباك، بلا دفء، بلا انكسار حقيقي.

Screenshot

الأكثر إشكالية هو زياد برجي نفسه الذي يبدو أنه خضع لمبضع ال AI بدوره.  البطل، الذي  يعود بحثاً عن دفء الماضي، يبدو باردا جداً. ملامحه جامدة، وحضوره أقرب إلى صورة رقمية مثالية منه إلى مغنٍّ يعيش أغنيته.  حتى جسده  يبدو وكأنه اعيد تشكيله بتقنيات الذكاء الاصطناعي، فبدا أطول  وأكثر مثالية، كأنه خارج من عرض أزياء لا من ذاكرة حرب. الذكاء الاصطناعي لم يُستخدم فقط لإعادة بناء مشاهد الحرب، بل أعاد بناء الفنان أيضا، فمحا هشاشته، وألغى تعبيراته، وسحب منه تلك المساحة الإنسانية التي يفترض أن تكون الجسر بين الصوت والمعنى. وهنا لا بدّ من طرح تساؤلات عديدة: إذا كان الهدف هو استحضار الحرب، فلماذا تم تعقيم الألم؟ وإذا كانت الأغنية عاطفية، فلماذا أُلغيت مشاعر صاحبها؟  الحرب ليست جميلة، ولا تُختصر  برموز بصرية أنيقة، بل هي تجربة تشوّه الوجوه قبل الأماكن، وتكسر البشر قبل الجدران.

Screenshot

استعادة  الحرب عبر الذكاء الاصطناعي قد تكون فكرة ذكية و”على  الموضة” ، ولكن تحويلها إلى صورة متقنة الجمال والالوان والاشكال، وكانها خارجة من كاتالوغ ، وتحويل المغنّي إلى نموذج مصقول، فكرة تُفرغ الوجع من معناه. الفن، حين يقرّر أن يروي الفقد، عليه أن يتحمّل قسوته، لا أن يقف خارجه بكامل أناقته. الفن ليس مطلوبا منه ابداً  أن يكون واقعيا حرفيا، ولكن يُطلَب منه على الأقل أن يكون صادقا ويلمس الروح. في هذا الكليب، الصدق ضاع بين خوارزمية تُجمّل الدمار، وصورة ذاتية تُجمّل صاحبها. فخرجنا بتجربة بصرية متقنة تقنيا، لكنها فارغة وجدانيا.

Screenshot

Screenshot

Exit mobile version