ثقافة

يا “دنيا” يا غرامي يا دمعي يا ابتسامي

Published

on

جوزيفين حبشي

هناك مثل فرنسي يقول: “لا بدّ من كل شيء لصنع عالم أو… دنيا”. وهذا ينطبق تماماً على عالم مسرحية “دنيا” ( تأليف واخراج زياد نجار) التي لا تعتمد على عنصر واحد. فرغم ان المسرحية تندرج في خانة المونودراما، أي ممثل وحيد على الخشبة، إلا أنني لم اشعر للحظة أن دنيا تقف وحدها على المسرح.
قوة دنيا كانت في تضافر عناصرها: ممثلة استثنائية تعرف كيف تملأ الخشبة، نص يحمل قضية إنسانية تلامس كل إمرأة، موسيقى حية تشارك في صناعة الانفعال، كوريغرافيا تجعل الجسد لغة، ظلال تفتح باب الخيال، ولعبة مسرحية تحوّل البشر إلى عفش بيت من دون أن تفقدهم حضورهم الإنساني.
وربما أجمل ما في هذه اللعبة كلها أن المسرح يطلب منا أن نصدّق ما نعرف أنه غير حقيقي. أن نرى شخصا فنقبله طاولة.أن نرى الظل فنصدّق أنه حياة.
أن نسمع البيانو فنشعر أنه يتكلم، يفرح، يتألم، يثور، يغضب.وأن نرى امرأة واحدة على الخشبة، فنكتشف خلفها دنيا كاملة .


في قلب هذه الدنيا تقف ندى أبو فرحات، التي تحمل العرض بحضورها وأدائها وسحرها وصدقها وتعدد حالاتها وانفعالاتها. تنتقل من القوة إلى الهشاشة، ومن الهاستيريا الى الفلسفة، ومن الكوميديا إلى الوجع، ومن المرأة التي اعتادت أن تعطي إلى المرأة التي تبدأ أخيرا في السؤال عمّا تريده هي.
ولا تعتمد ندى على الكلام وحده ، فجسدها جزء من الحكاية. وهنا تأتي الكوريغرافيا التي تحمل توقيع تمارا حاوي . كوريغرافيا ساحرة على الخشبة وخلف الستارة بلعبة ذكية من الضوء والظلال ، من الحركة والرقص المواذيين . كوريغرافيا حوّلت الحركة لغة موازية للنص، فالجسد يتذكر ويتعب ويقاوم، يرقص فرحا وحبا وينتفض وجعا وحزنا، وأحيانا يقول ما تعجز الكلمات عن قوله.
أما البيانو والموسيقى التي عزفها زياد نجار بشكل حيّ على المسرح ، فهما من أجمل عناصر العرض. البيانو ليس خلفية موسيقية ترافق المشاهد، بل شريك فعلي لندى، يكاد يكون شخصية أخرى على الخشبة. يرفع التوتر، يفتح باب الرومانسية، يرافق الذاكرة، ويعبّر في لحظات عن الفرح والغضب والألم والثورة والندم أكثر مما تستطيع الكلمات.
ولتكتمل تلك الدنيا المصنوعة من كل شيء، تأتي لعبة الظلال خلف الستارة لتضيف بعدا بصريا وشعوريا آخر. هناك دائما ما يظهر وما يختبئ، ما نراه وما نتخيله، الحاضر والذاكرة، الجسد وظله. والجميل أن الظل لا يأتي كزينة بصرية، بل كجزء من لغة العرض.ظل من خلف ستارة يراقص دنيا على المسرح. حتى الأشخاص الذين يؤدون أدوار الكراسي والطاولات والأشياء يدخلون في هذه اللعبة المسرحية الذكية. حين تقول “دنيا” للطاولة، مثلاً، “امسك فنجان القهوة” لا نعود نسأل كيف يمكن لشخص أن يكون طاولة. نقبل القاعدة التي وضعها العرض، ونشارك في اختراع العالم معها. وهنا يصبح المتفرج، ولو من دون أن يشعر، شريكاً في صناعة الخيال المسرحي.


أما النص، فيحمل قضية إنسانية قريبة من كثيرين: امرأة سخّرت حياتها لامومتها ، كرهت جبران خليل جبران عندما قال ” اولادكم ليسوا لكم ، اولادكم ابناء”…الدنيا، عاشت الوحدة والفراغ ، اشتاقت لوجود ابنة كانت كل عالمها ، كانت كل غضبها وجنونها وحنانها، فلم يتبق لها منها سوى لعبة من طفولة، تركتها في زاوية الغرفة عند الحائط ، كطفل معاقب على ذنب لم يقترفه.امرأة أمضت سنواتها في العطاء للآخرين، لتصل إلى لحظة تسأل فيها: ماذا بقي لي أنا؟ وهو سؤال يسمح لكل امرأة تقريباً أن تجد شيئاً من نفسها في “دنيا”، ولكل ابنة أن ترى الأم من زاوية مختلفة.
النص متماسك في مجمله، وإن كانت بعض لحظاته أكثر قوة وتأثيراً من سواها، خصوصا حين يترك للممثلة والموسيقى والحركة والصورة أن تقول ما لا يحتاج إلى شرح. وربما كان يمكن في بعض المحطات الوثوق أكثر بالصمت وبخيال المتفرج، لكن هذا لا ينتقص من صدق القضية التي يحملها العرض.
وفي النهاية، “دنيا” عرض عن امرأة، لكنه لا يبقى حكاية امرأة واحدة.
إنه عن الأم والابنة، عن الحب والتضحية، عن المرأة التي قد تنسى نفسها وهي تؤدي أدوار الآخرين، وعن الحاجة إلى أن تستعيد ذاتها قبل أن يفوت الوقت. ولكنه أيضا، وبشكل أجمل، احتفال بفكرة المسرح نفسها: أن القليل يمكن أن يصنع الكثير، وأن الخيال قادر على تحويل الإنسان إلى طاولة، والظل إلى حياة، ونغمة البيانو إلى شعور، وامرأة واحدة إلى دنيا كاملة فيها الفرح والحزن، الصح والخطأ ، الثورة والاستسلام، الدمع والابتسامات.

“دنيا” على مسرح دوار الشمس حاليا.

Exit mobile version