ثقافة
“البيت بيتك” ميوزيكال يهمس أكثر مما يستعرض
جوزيفين حبشي
“يا بيتي يا بويتاتي، يا مستّرلي عويباتي، فيك خلقت وفيك ربيت وفيك بكمّل حياتي”… بكلمات هذه الاغنية التي اشتهرت بصوت هناء الصافي، ينبثق التراث اللبناني الذي يحتفي بالبيت، بالهوية، وبالانتماء. البيت هنا ليس مجرد مكان، بل ذاكرة ممتدة، جذور تتشابك فيها الحياة والمشاعر. هذا الشعور بالانتماء والحنين يشكّل مدخلا لمسرحية الميوزيكال اللبنانية “البيت بيتك”، التي تحمل النبض نفسه: العودة إلى الجذور، الذكريات بحلوها ومرّها ، الحميمية والدفء، مع روح ميوزيكالية معاصرة تحاول الجمع بين التمثيل والغناء والرقص في قالب درامي واحد.
Screenshot
يرتبط مسرح الميوزيكال في المخيّلة الجماعية ببريق برودواي: عروض ضخمة، إنتاج هائل، ديكورات متحرّكة، أزياء ملوّنة، وأجساد راقصة تفيض بالحركة حتى الإبهار. ولكن الميوزيكال في جوهره الأعمق، لا يكمن في الفخامة والابهار فقط، بل ايضا في قدرته على صهر التمثيل والغناء والرقص في قالب درامي واحد. هو فنّ التكثيف: حيث يُختصر الكلام في أغنية، وتُترجم المشاعر إلى حركة، ويصبح الإيقاع قلب العرض النابض. من هذا المنطلق، تخرج “البيت بيتك” عن النموذج البرودوايي المألوف، مقترحة مسارا أكثر تواضعا وإنسانية، يمزج بين روح المسرح التقليدي وسحر الميوزيكال، من دون ادّعاء بصري أو مبالغات غنائية راقصة وإسراف إنتاجي.
Screenshot
تحترم المسرحية المبدأ الأساسي لفن الميوزيكال: القصة تُروى عبر التمثيل والغناء والرقص معا، والأغنية ليست استراحة ترفيهية، بل ضرورة درامية. حين يضيق الحوار، تنفتح الأغنية كمساحة اعتراف، وحين يثقل الكلام، يتحرّك الجسد ليحمل المعنى. لا تُستخدم الأغنيات هنا للاستعراض، بل كهمس داخلي، ولا يُستدعى الرقص لملء الفراغ، بل لتكثيف الحالة الشعورية للشخصيات. في هذا الخيار، يكمن أحد أجمل رهانات “البيت بيتك” ، وهو إعادة الميوزيكال من منطق الإبهار الخارجي إلى منطقة الحميمية، حيث يقترب المتفرّج من التجربة بدل أن يراقبها من بعيد.
Screenshot
على مستوى الحكاية، ذكّرتني القصة قليلا بأجواء الفيلم الاميركي الدرامي الكوميدي الرومنسي Sweet Home Alabama (2002)، حيث يتقاطع صراع الجذور والطموح مع أسئلة الهوية والحنين والحب. في “البيت بيتك” القصة لبنانية درامية كوميدية رومانسية، تتناول موضوعات موجعة بنبرة خفيفة وظريفة: الفقد بالموت أو الانفصال، الغربة، الذاكرة، الهرب، والسعي إلى تحقيق الأحلام. وفي خلفية هذه الحكاية، يطلّ واقع الفنان اللبناني، بقلقه وغياب الفرص وانسداد أفقه لصالح غيره، كغمزة مريرة لا تخلو من سخرية ضاحكة. ولكن هذه الكوميديا بمذاقها الحلو والمرّ الذي يشكّل أحد مصادر قوة العرض، يتباطأ نَفَسها أحيانا مع تكرار وتطويل بعض المشاهد والأفكار. هنا تحديدا يختل الإيقاع، فالميوزيكال يحتاج إلى سرعة وانسياب، وإلى تصاعد يحافظ على نبض الجمهور مشدودا. بعض المقاطع كانت لتكسب حيوية أكبر لو اختُصرت .
Screenshot
بصريا، يلمع العرض في خياراته الكوريغرافية، ولا سيما في اعتماد الظلال الراقصة خلف الستار، حيث يتحوّل الجسد من حضور مادّي مباشر إلى طيف شعري، يُعبّر أكثر مما يُظهر. هذا الخيار الجمالي، النادر في الميوزيكال اللبناني، يمنح العمل بعدا تخييلياً شاعرياً لافتاً، ويكشف وعياً بصرياً جميلاً. أما الأغنيات، فتأتي سلسة ومنسجمة مع السياق، تنساب داخل المشاهد من دون افتعال، وترافق السرد بدل أن تقاطعه.
ومن جهة الأداء، يتجلّى قلب العرض الحقيقي. مع آلين لحود، شهدنا عودة “بنت الجبل” الى بيت الجبل. آلين حضور آسِر على الخشبة، صوتها ليس مجرد جمال غنائي، بل أداة تمثيلية متكاملة، تنقل المشهد من كوميديا خفيفة إلى عمق شعوري في آن واحد. حضورها يجذب المتفرّج ويمنحه شعورا حيًاً باللحظة، مع حس كوميدي استثنائي سبق أن برز بشكل لافت حين أعادت إحياء مسرحية والدتها الراحلة سلوى القطريب “بنت الجبل”، مبرهنة أنّها تجمع بين القدرة على المزج بين الدراما والكوميديا بمهارة نادرة.
Screenshot
بدورها مايا يمين ، شقيقة كل من آلين لحود في المسرحية وغابريال يمين في الحياة، تثبت مرة بعد مرة أن خشبة المسرح بالنسبة اليها بيت، بيتها هي. أداءها متقن، مقنع دراميا وكوميديا، يجمع بين الصلابة والمرونة، بين الجدية والمرح، بحيث يصبح حضورها محورا يرسّخ الشخصيات ويجعل كل مشهد يتنفس بثقة وقوة.
أما ماريا بشارة فتتألق بطاقة هائلة في الكوميديا وخفة الظل، حضورها الممتع يترك أثراً فورياً لدى الجمهور، ويجعل كل مشهد ينبض بالقبول والحيوية، كأنها تنقل الطاقة مباشرة من خشبة المسرح إلى قلب المتفرّج.
Screenshot
في المقابل، يتمتع طوني أبو جودة بمواهب واضحة في الكوميديا والغناء والتقليد، وحاول اضفاء لمسته الخاصة على الشخصية. ولكن اداءه يحتاج لمساحة أكبر كي تتنفس الشخصية بحرية ضمن الإيقاع العام للمسرحية، ومع بعض التكيّف مع وتيرة العرض، يمكن أن يرتاح أكثر ويكتسب حيوية إضافية تعزز اللحظة الدرامية والكوميدية على حد سواء.
وفي الختام، برافو كبيرة لسامر حنا ، الكاتب والمخرج والممثل والعاشق لمسرح الميوزيكال الذي تحوّل بالفعل بيته، خصوصا ان معظم مسرحياته تدخل في هذه الخانة مثل “اتنين بالليل” و “باراديسكو” و”عالهوى سوا”. أداء سامر متوازن ، ومسرحيته ممتعة ، طريفة، دافئة ، انسانية، محبّبة بصريا وشعوريا ، تعيد التفكير في الميوزيكال من زاوية محلية صادقة. نتمنى لها العمر الطويل على مسرح مونو ، مع تقصير لبعض مشاهدها لشدّ الايقاع، فتصبح أكثر تأثيراً . ببساطة لأن الميوزيكال فنّ النبض، وكل نبض يحتاج إلى توقيت دقيق ليصل إلى قلب الجمهور.
Screenshot