فن ومشاهير
“المحافظة 15″…وحده الفن يعالج جروحا لا تُشفى
جوزيفين حبشي
ليس من السهل، ولا من المريح، أن يُفتح هذا الجرح الآن، لكن مسلسل “المحافظة 15” (إنتاج مروى غروب) قرّر أن يفعلها.
منذ اللحظة الاولى للبرومو القصير ، اعلن العمل وبشكل واضح وصريح أنه لا ينوي السير في المنطقة الرمادية، ولا الاكتفاء بالتلميح أو الاستعارة. لقد قرر ان يقتحم واحدة من أعمق القضايا الإنسانية المأساوية التي أصابت في الصميم الشعبين اللبناني والسوري على حدّ سواء. لقد قرر وضع إصبعه مباشرة في الجرح الأعمق: جرح المعتقلين والمخفيين قسراً في سجون نظام المجرم بشار الأسد، ذلك النظام الذي لم يكتفِ بحرق الأرض، بل دمّر الأجساد والارواح والمصير.
أن ينطلق العمل من لحظة سقوط الطاغية، ومن مشهد خروج المعتقلين من قبور السجون، هو فعل درامي جريء وقوي ومزلزل، لأن هذه القضية لم تصبح ماضياً بعد، ولم تتحوّل إلى صفحة مطوية في كتاب التاريخ. هي واقع حيّ، مؤلم، يسكن بيوتاً لبنانية وسورية ما زالت تنتظر خبراً، أملاً، اسماً، أثراً، أو حتى قبراً.
مع صدور البرومو، عرفنا أن عنوان المسلسل “المحافظة 15” لا يستعيد التسمية عبثاً. هو يذكّر اللبنانيين، بلا خجل ولا تجميل، كيف كان النظام السوري ينظر إلى لبنان: محافظة تابعة، ملفاً أمنياً، وساحة مفتوحة للاعتقال والاختفاء والتصفية. وها هو اليوم، بعد عام واحد فقط على سقوط هذا النظام المتوحّش، يأتي عمل درامي ليقول إن الوقت ليس مبكراً على الحقيقة، بل ربما تأخّرنا كثيراً. وهنا برأيي تكمن فرادة المسلسل، فالتاريخ الدرامي العربي اعتاد الانتظار والتريث سنوات قبل الاقتراب من الزلازل السياسية الكبرى، بذريعة “المسافة الزمنية”. ولكن ماذا عن المسافة الإنسانية؟ ماذا عن أمهات وأباء عاشوا معلّقين بين الحياة والموت؟ ماذا عن زوجات واخوات لم يعرفن إن كان عليهنّ الحداد أم الانتظار؟ ماذا عن اولاد تعلقن بكاسبر بطل الرسوم المتحركة، لأنه مثل والدهم … مجرد شبح ابيض لواقع اسود؟ ماذا عن شعب كامل عاش الإذلال باسم الأمن والسيادة؟
قلم كارين رزقالله، سيعطينا موعدا مع ” الألم”، فالمسلسل اختار كما يبدو أن يكون وفياً للوجع، لا للمساومة. لن يحاول انكار الجرح على ما يبدو من البرومو، بل الاعتراف به. وبهذا المعنى، هو نص من صميم الواقع اللبناني، من ذاكرة جماعية مُهمَلة، ومن وجع لم يُعترف به رسمياً حتى اليوم. كارين رزقالله معتادة على مزج الالم مع الابتسامة، والماضي الثقيل مع رشة فكاهة خفيفة كما في مسلسلي ” ومشيت” و”انتي مين” تحديدا. اليوم الموضوع المطروح اقسى واصعب، فهل ستنجح بمعالجته بسلاسة مؤثرة وغير خانقة ؟ ايام قليلة ونكتشف.
أما الإخراج فأنا واثقة من نتيجته، لأن سمير حبشي المعروف بعشقه للدراما الخارجة من تربة البيئة اللبنانية، لن يتردد بمنح العمل صدقه البصري والإنساني، بعيداً عن الاستعراض أو المتاجرة بالدمع. ومع بطولة النجم يورغو شلهوب في دور معتقل لبناني في قبور التعذيب والموت، يصبح الثقل الدرامي مضاعفاً، لأن يورغو ممثل قادر على حمل هذا الوجع من دون خطابة، ومن دون استسهال. أما ثنائيته الثانية والمنتظرة مع كارين رزقالله، فنحن بتنا الان اكيدين أن القلب لن يدق على ايقاع الرومنسية، بل نبضاته قد تتوقف وجعا على قسوة لا تُحتمل.
على احر من جمر سننتظر انطلاق مسلسل ” المحافظة ١٥” ونحن ندرك أنه لن ليس عملا ترفيهيا، ولن يقدّم حلاً، ولن يدّعِ أنه يشفي الألم. لكنه سيفعل ما هو أصدق وأشجع: سيفتح الجرح لأن الجرح لا يطيب إلا إذا فُتح و نُظِر إليه مباشرة. إذا عُرِّض، ولو للحظة، لنور الحقيقة القاسي، مهما آلمنا الضوء. لأن الجرح الذي يُخفى يتعفّن، والوجع الذي يُسكَت عنه يتحوّل لعنة، أما الألم الذي يُواجه، فيبدأ رحلته الطويلة نحو الشفاء.
“المحافظة 15” لا يبدو أنه يخشى هذا الضوء. لا يخشى الألم الذي يرافقه، ولا الدموع التي قد يوقظها. بل يختار أن يكون شاهداً، وأن يقول إن الشفاء لا يبدأ بالنسيان، بل بالاعتراف. وأن العدالة، حتى حين تتأخر، تبدأ دائماً من تسمية الجريمة كما هي. لهذا السبب، هذا العمل ليس مجرد مسلسل منتظر بقوة، بل فعل ذاكرة، وفعل شجاعة، وفعل وفاء لكل من غاب… ولكل من ما زال ينتظر. إنه مسلسل سيفتح الملفات قبل أن يُغلقها النسيان، وسيذكّر بأن العدالة المؤجَّلة لا تُسقط حق الضحايا، بل تضاعف مسؤولية الفن في قول ما عجزت السياسة عن قوله.
Screenshot