فن ومشاهير
خوليو ايغليسياس، هل هو متحرِّش؟
جوزيفين حبشي
هل هو متحرش؟ ننظر الى صورة خوليو التي تعيدنا فورا الى مراهقتنا الجميلة، نردد اغنياته العاطفية التي حببتنا بالحب: Vous les femmes vous le charme
Vos sourires nous attirent et nous désarment ونتساءل بقلق وخوف على ذكرياتنا، هل يعقل حقا ان يكون مغنيNous les hommes ،Pauvres diables قد تحوّل فعلا شيطاناً وأذى تلك النساء اللواتي دللهن في أغنياته ووصفهن مرّة بأنهن les anges adorables؟
Screenshot
لم يكن خوليو إغليسياس مجرد مغنٍّ عابر في حياتنا. كان صوت الحب، والرومانسية، والشغف. كان ذاكرةً كاملة. الرجل الذي رافقت أغانيه مراهقاتنا الأولى، فعلّمنا كيف يمكن للحب أن يُقال همسا، وكيف يمكن للشغف أن يبدو نبيلا، وكيف تصبح المرأة في الأغنية معبودة لا تُمسّ إلا بالكلمات. كبرنا… وبقي صوته رمزا للرومانسية، وللرجل الذي يعرف كيف يحب، لا كيف يؤذي.
Screenshot
هذا الرجل ذاته، الذي وقعنا في غرامه يوما، وجد نفسه اخيراً وفي عمر ال ٨٢ عاما، في قلب اتهامات تحرّش واعتداء جنسي . اتهامات قانونية ووجدانية صادمة، وكأننا أمام أغنية قديمة انكسرت فجأة.
امرأتان شابتان ( ٢٢ عاما و٢٨ عاما) كانتا تعملان لدى إغليسياس ، خرجتا لتقولا إن ما عاشتاه معه لم يكن حبا ولا شاعرية، بل استغلالا للسلطة، وسلوكا غير مرغوب فيه داخل علاقة عمل غير متكافئة. اتهمت المرأتان المغني بأنه تحرش بهما جسديا وجنسيا خلال فترة عملهما لديه سنة ٢٠٢١، بما في ذلك لمسات غير مرغوبة، تقييد جسدي، وتعديات غير موافق عليها. وأكدت إحداهما أن إغليسياس كان يستدعيها مرارا إلى غرفته بعد انتهاء ساعات العمل وأنه أجبرها على ممارسات جنسية وشعرت “كأنها عبدة تُستخدم وتُعامل كجسد”.
Screenshot
القضية اليوم في عهدة القضاء، حيث فُتحت تحقيقات أولية لجمع الشهادات والأدلة، دون صدور أي حكم أو إدانة حتى اللحظة. خوليو يلتزم الصمت ، وطبعاً المتهم بريء حتى اثبات ادانته، ولكن الصدمة لا تأتي فقط من الاتهامات، بل من التناقض المؤلم بين الصورة التي رسمها الفن، وما تطرحه هذه الشهادات من رواية مغايرة.
Screenshot
كيف يمكن لرجل غنّى للحب والمرأة والوله، أن يُتّهم بإيذاء من كنّ يعملن لديه؟ وهنا يبرز سؤال آخر، كثيراً ما يُستخدم للتشكيك: لماذا استمرت العاملتان في العمل لديه، إذا كان ما تقولانه صحيحا؟ سؤال يبدو بسيطا، لكنه يحمل في داخله افتراضا قاسيا: أن الضحية، إن لم تهرب فورا، فهي شريكة أو كاذبة.
هذا السؤال، رغم بساطته الظاهرة، يتجاهل حقيقة معقدة تؤكدها دراسات علم النفس وتجارب آلاف الضحايا حول العالم: ففي قضايا التحرش، البقاء لا يعني القبول، والصمت لا يعني الرضا، والاستمرار في العمل لا يعني أن الاعتداء لم يقع. الضحايا قد يبقين لأنهن خائفات من فقدان لقمة العيش، ومن النفوذ، ومن الشهرة، أو من ألا يصدقهن أحد. وقد يبقين لأن التحرش لا يأتي دائما فجأة، بل يتسلل ببطء، ويُربك الضحية، ويضعها في صراع داخلي بين الكرامة والبقاء. علم النفس يصف هذه الحالة بوضوح: الصدمة قد تُشلّ القدرة على المواجهة، وتجعل الضحية اكثر ميلاً للتأقلم بدل الهرب، ولو مؤقتا.
القضية هنا لا تتعلق بإدانة فنان أو تبرئته إعلاميا، بل بطرح سؤال أعمق: هل يمكن للفن أن يخدعنا عن الإنسان؟ وهل الصورة التي صنعناها عن المشاهير تحمينا من رؤية تعقيداتهم، أو حتى سقوطهم المحتمل؟ بينما ينتظر الجميع كلمة القضاء، يبقى الأهم ألا نحاكم الضحايا بأدوات غير عادلة، ولا نحوّل الإعجاب بالفن إلى درع يحمي صاحبه من المساءلة. خوليو إغليسياس قد يكون بريئا، وقد لا يكون ، و هذا ما سيقوله القضاء. لكن المؤكد أن الحب الذي غنّى له، لا يمكن أن يكون ذريعة للصمت عن أي ادعاء بالأذى. حين يغني الحب، نحب أن نصدّق. لكن حين تُطرح أسئلة الألم، لا يحق لنا أن نغلق آذاننا باسم النوستالجيا . العدالة تحتاج وقتا، والحقيقة لا بدّ أن تظهر.أما الرومانسية، فلا ينبغي أن تكون عذرا للصمت. نحن مع العدالة حتماً ، ولكننا نحن جيل الثمانينات والتسعينات، نتمنى أن تكون الاتهامات كاذبة، حتى دنيا احلامنا “ما تبوظ”، وحتى نستمر بالاستماع الى خوليو ، مش بس فيروز.