مرأة

عارية على رصيف البحر

Published

on

جوزيفين حبشي

امرأةٌ مشت عاريةً  وتائهة على الروشة… قالوا: فضيحة. أما أنا، فلم أرَ امرأة عارية، بل روحاً عارية سقط عنها آخر ما تبقّى من قدرة على الاحتمال. رأيت خوفاً يمشي على قدمين، وألماً بشرياً بلغ من التعب حدّ التشرّد خارج العقل. كانت تمشي كمن خرج من نفسه ولم يعد يعرف كيف يعود إليها، كأنها تحمل على كتفيها كل هذا الخراب دفعةً واحدة، ثم انهارت تحت ثقله. رأيت وجعاً يتمنى الانتحار من على صخرة الروشة.رأيت فيها … لبنان.

هذه المرأة ذكّرتني بلبنان. بلد  فقد توازنه من كثرة ما ضُرب وأُهين وخاف. بلد تعرّى تدريجياً من كرامته  وأمانه وإنسانيته . بلدٌ نُهبت روحه أمام عيون أبنائه، ثم تُرك واقفاً في العراء كي يتعلّم الذلّ وحيداً. بلدٌ متعب نفسياً، يبتسم أحياناً ، يصمت احياناً، يشرد كثيراً، فقط كي لا ينهار أمام الناس.

كانت  تلك المرأة تنظر نحو البحر كأنها تريد أن تقفز خارج العالم، تماماً كلبنان الذي يقف كل يوم على حافة الانتحار الجماعي ولا يسقط،  فقط لأن التعب صار  أعمق حتى من فكرة السقوط نفسها.

بيروت أيضاً خلعت ثيابها منذ زمن. خلعتها يوم صار الموت خبراً عادياً، والتفجير عدالة منسية، والهجرة حلماً وأملاً، والعيش إهانة مستمرة. خلعت المدينة ثوب قهر  أثقل من أن يُحمل، ولأن الأرواح حين تختنق، تحاول أحياناً أن تتحرر حتى من جلدها.

Advertisement

كانت المرأة  العارية ترتجف. كدولة ترتجف، ولكن ليس من البرد ، بل من الرعب ، بعدما نزع  احدهم عنها كرامتها  وتركها عارية أمام الجوع والذل والانقسام والدمار ، بينما ارتدى هو  عباءات  غريبة، وخلع عنه “الشروال” . هذا تحديدا كان أشدّ ما عرّى البلد وتركه عرضة للريح والعواصف.

لكن ما كان أشدّ قسوة من العري نفسه، كان الضرب. لم يكن المشهد موجعاً فقط لأن امرأة كانت تسير بلا ستر، بل لأن هناك من امتدّت يده إليها وهي في أضعف حالاتها. كم بدا  هذا المشهد شبيهاً بلبنان. الغريب حين يعتدي عليك، يؤلمك… نعم. لكن وجع الغريب يبقى مفهوماً، متوقعاً، يشبه قسوة العالم المعتادة. أما حين تأتي الضربة من ابن البيت، ممن يفترض أن يحميك ويسترك، فالألم يصبح شيئاً آخر. يصبح خيانة لا جرحاً فقط. وهذا تماماً ما حدث لوطننا. لبنان لم ينهكه الأعداء وحدهم. لم يسقط فقط تحت الحصار أو القصف أو الخوف.الضربة الأقسى جاءت من الداخل، من الذين قالوا إنهم حُماته، ثم أخذوه إلى الخراب باسم  قضية ليست قضيته. من الذين رفعوا شعارات الكرامة فيما كانوا ينزعون عن الناس كرامتهم قطعة قطعة.لبنان لم يتعرَّ وحده. هناك من عرّاه. عرّاه من رزقه حتى صار الأب عاجزاً عن شراء الخبز والدواء والكتاب . عرّاه من سقف بيته حتى بات الناس ينامون بين الركام  وعلى الارصفة أو على حقائب السفر. عرّاه من أحلام شبابه الذين صاروا يهربون من البلاد كأنهم يهربون من سفينة تغرق. عرّاه من صوته، ومن صورته، ومن حقه بحياة طبيعية تشبه بقية البشر.

الأشدّ قسوة، أن الذين عرّوا هذه البلاد كانوا من أهل البيت أيضاً. من الذين أكلوا خبزها، وشربوا ماءها ، وحلفوا باسمها، ثم باعوها عند أول صفقة، وأول سلاح، وأول كرسي. نعم،  لم يكن أكثر ما يؤلم في مشهد المرأة أنها كانت عارية، بل أن بعض الناس انهالوا  عليها ضرباً بدل أن يغطّوا جسدها المرتجف. نعم، أكثر ما يؤلم  في مشهد لبنان، أنه كلما تعب، ضربوه أكثر. كلما جاع، أهانوه أكثر. كلما حاول أن ينهض، أعادوه إلى الأرض والى تحت الارض اكثر . كأن المطلوب من هذا البلد أن يبقى مكسوراً إلى الأبد، عارياً إلى الأبد، وخائفاً إلى الأبد.

ومع ذلك، وسط كل هذا الخراب، يظهر دائماً من يحاول أن يغطّي الجسد المرتجف، أن يحمي ما تبقّى من كرامة الإنسان. وهذا وحده ما يشبه لبنان الذي نحبّه. لبنان الذي، رغم كل شيء، لا يزال فيه من يرفض أن يترك أحداً وحيداً  وعاريا في العراء.

تلك المرأة لم تكن فضيحة. كانت مرآتنا العارية.  كانت دولة منهكة متألمة مجروحة  تمشي حافيةً على رصيف البحر.

Advertisement
Exit mobile version