فن ومشاهير
زياد الرحباني … المحبة لا تحتاج إلى إذن
جوزيفين حبشي
يقال أن هناك لحظة في حياة كل فنان عظيم يتوقف فيها عن أن يكون ابن عائلة، ليصبح ابن ذاكرة شعب. والفنان العظيم لا يخلده التاريخ يوم يموت، بل يوم تكتشف عائلته أن الناس صاروا يتحدثون عنه بضمير الملكية: “فنانُنا.”
في خضم الجدل الذي أثاره موقف ريما الرحباني من تكريم زياد الرحباني في ذكرى وفاته الاولى في ٢٦ تموز المقبل، والذي نشرته على مواقع التواصل الاحتماعي، لا بد أولاً من الاعتراف بأن في كلامها جانباً يستحق التوقف عنده. فمن المؤلم حقاً أن تتحول ذكرى مبدع كبير إلى مناسبة للاستثمار التجاري، أو إلى منصة يستعرض عليها البعض أنفسهم تحت عنوان “التكريم”.
أفهم تماماً الغضب من تحويل ذكرى زياد إلى مناسبة للكسب أو للبحث عن الأضواء. وإذا كان هناك من يستغل اسمه ليبيع تذاكر أغلى، أو ليجمع التصفيق لنفسه أكثر مما يكرّم صاحب الذكرى، فهذا أمر يجرح محبي زياد قبل عائلته. والفارق كبير بين الاحتفاء بالفنان وبين استغلال اسمه، وبين الوفاء لإرثه وبين الاتجار به. في هذه النقطة، يصعب الاختلاف مع ريما الرحباني.
Screenshot
لكن ثمة فرقا كبيرا بين استغلال الفنان وبين محبته. الفنان، عندما يقدم عملاً صادقاً، لا يعود ملكاً لنفسه وحده، ولا حتى لعائلته وحدها. يصبح جزءا من ذاكرة الناس، من أفراحهم وأحزانهم، ومن تفاصيل أعمارهم. الأغنية التي رافقت عاشقاً، والمقطوعة التي خففت وجع إنسان، والمسرحية التي غيرت طريقة تفكير جيل كامل، لم تعد مجرد أعمال محفوظة في أرشيف، بل أصبحت جزءا من حياة الناس. ولهذا، لا يستطيع أحد أن يحتكر حق الحب، ولا أن يمنح أو يمنع الناس حق التعبير عن امتنانهم لفنان أحبوه.
الفنان الحقيقي يبدأ فرداً، لكنه يتحول مع الزمن إلى ذاكرة جماعية. وما إن يخرج عمله إلى الناس حتى يصبح جزءا من حياتهم، لا مجرد فصل من سيرته الشخصية. فالأغنيات لا تبقى حبيسة أصحابها، إنها ترافق قصص الحب، وتواسي الفقد، وتؤنس الوحدة، وتمنح الأمل، ثم تتحول مع مرور الزمن إلى جزء من الذاكرة الإنسانية لمن عاشوها. لذلك، فإن علاقة الجمهور بالفنان ليست علاقة استهلاك، بل علاقة مشاركة في المعنى.
وزياد الرحباني لم يكن مجرد ملحن أو كاتب أو عازف استثنائي، بل كان حالة ثقافية كاملة. شكّل وعي أجيال، وصاغ وجدانها، وترك أثراً تجاوز الموسيقى إلى الفكر والسخرية والسياسة واللغة اليومية. ومن الطبيعي، بعد كل هذا، ألا يبقى حضوره محصوراً بعائلته، مهما كان احترامنا لمشاعرها، بل أن يصبح جزءا من الوجدان العام.
إن الإرث الفني، بخلاف الإرث المادي، لا يزداد قيمة بالحفظ، بل بالانتقال. يعيش حين يُقرأ، ويُعزف، ويُغنى، ويُدرّس، ويُلهم أجيالًا جديدة. أما حين يُحاط بالأسوار، فإنه يتحول تدريجياً إلى أثر محفوظ، لا إلى فن حي.
لذلك، من حق كل موسيقي أن يعزف أعمال زياد الرحباني حباً به، ومن حق كل مغنٍ أن يؤدي أغنياته احتراماً لفنه، ومن حق الجامعات والمعاهد والفرق الموسيقية، وحتى المبادرات الفردية، أن تستحضره في أعمالها، شرط أن يكون ذلك بصدق، وبما يليق بقيمته الفنية، ومن دون ادعاء أو تشويه أو استغلال تجاري.
Screenshot
المشكلة ليست في التكريم، بل في الطريقة التي يُمارس بها. التكريم الذي يتحول إلى سلعة يفقد معناه، أما التكريم الذي يولد من المحبة فلا يحتاج إلى إذن.
ولعل علينا أن نتذكر حقيقة بسيطة: لم يصبح الكبار خالدين لأن عائلاتهم حافظت عليهم، بل لأن الناس حملوهم في قلوبهم. لم يُبقِ المتنبي حياً إلا قراؤه، ولم تبقِ أم كلثوم حاضرة إلا الأصوات التي ما زالت تغنيها، ولم يبقِ الرحابنة وفيروز في الذاكرة إلا لأن أعمالهم لم تتوقف يوماً عن الحياة فوق المسارح وفي البيوت والساحات .
الفن العظيم لا يعرف الملكية المغلقة. إنه يشبه الضوء، ما إن يخرج من مصدره حتى يصبح ملكاً لكل من يراه. لذلك، فإن الدفاع عن إرث زياد الرحباني لا يكون بمنع الناس من الاقتراب منه، بل بحمايته من الابتذال، وتشجيع كل احتفاء صادق يليق به. فالفنان الذي استطاع أن يدخل ملايين البيوت، لا يمكن أن يعود بعد رحيله إلى بيت واحد فقط.
ذلك هو الخلود الحقيقي. فالفن لا يعيش بالصمت، بل بالحياة. ولو توقف الناس عن غناء الكبار، وعزف أعمالهم، واستعادة تراثهم، لمات التراث في يوم واحد. نحن لا نتذكر المبدعين لأن عائلاتهم تسمح لنا بذلك، بل لأن أعمالهم بقيت تنبض في وجدان البشر.
أجمل تكريم لزياد هو أن يبقى حياً في الناس، لا أن يتحول إلى اسم يخشى الناس الاقتراب منه. فالذاكرة ليست ملكية خاصة، والمحبة لا تحتاج إلى إذن. وإذا كان الاستغلال مرفوضاً، فإن الاحتفاء الصادق لا ينبغي أن يُدان، لأن الفنان الحقيقي يترك بيته الصغير، ويسكن في بيت أكبر اسمه: قلوب الناس