فن ومشاهير
في عيد رندة كعدي… ماذا نهديها؟
جوزيفين حبشي
في عيد ميلادكِ يا رندة كعدي، ماذا أهديكِ؟ ماذا يمكن أن يُهدى لامرأةٍ تشبه الهدايا النادرة نفسها؟ أيُهدى الضوء لمن كانت، ولا تزال، واحدة من أجمل مصادره؟ أتهدى الكلمات لمن جعلت الصمت نفسه يتكلم على الشاشة؟ في عيد ميلادكِ يا رندة، لا تكفي المعايدات العادية، ولا تُشبهكِ تلك الأمنيات السريعة التي تُقال على عجل ثم تمضي كأنها لم تكن.
Screenshot
في عيد ميلادك يا رندة كعدي، ماذا أهديكِ؟ أنتِ التي اهديتنا الابهار؟ لم تؤدِ يوماً دوراً، بل كنتِ تمنحين الورق روحاً، والصوت ذاكرة، والوجع ملامح لا تُنسى. كل امرأة جسّدتها، خَرَجت من الشاشة ومَشت بين الناس، كأنكِ لا تمثلينها بل تنقذينها من الورق إلى الحياة، وتجعلينها تعيش عمراً كاملاً في لحظة صدق خارقة.
Screenshot
من يستطيع أن ينسى “مارتا” في “ومشيت”؟ تلك الأم التي حملت في عينيها وطناً كاملاً ينزف، لا ابناً فقط. كانت تمشي كأن الأرض فقدت توازنها تحت قدميها، وكأن الحزن صار جنوناً يعبر بها الى الامان. من يستطيع أن ينسى وجع ” مارغو” وجنونها في “بالحرام”، و طيبة” الحجة ضحى” في “٢٠٢٠”، و حضوركِ الطاغي في “هردبشت”، وانكسار أمال في ” قلبي دق” وامومة نجوى في “أحلى بيوت راس بيروت”، وبراءة حنان في “للموت”؟ شخصيات لم تكن أدواراً، بل أرواحاً كاملة: لها قلبها، وندوبها، وحنينها، وارتباكها، ونبرتها الخاصة في الحب والخسارة.
Screenshot
في عيد ميلادكِ يا رندة، ماذا يمكن أن يُهدى لكِ؟ لقب جديد ربما؟ وبما أننا نتحدث عن الألقاب، دعيني أقول لكِ إن لقب “ميريل ستريب لبنان” لا يفيكِ حقكِ بالكامل. ليس لأن ميريل ستريب ليست عظيمة، بل لأنكِ أنتِ أيضاً عظيمة بطريقتكِ التي لا تشبه أحداً. هي وُلدت في أرض تعرف كيف تحمي الفن، كيف تصنع له المجد،كيف تقدّره ماديا ومعنويا وكيف وتفتح له أبواب العالم. أما أنتِ، فكنتِ موهبة استثنائية تقاتل كل يوم كي يبقى الفن جميلاً وسط هذا الخراب. ولو أن العدالة الفنية تُوزَّع كما يجب، ولو أن الأماكن تبدّلت قليلاً، فكنتِ انتِ في هوليوود، وميريل ستريب في زحلة، لكانت قد لُقّبت هي ب” رندة كعدي أميركا”.
Screenshot
في عيدكِ لن أتمنى لكِ بيتاً “مِلك”، لأنكِ أنتِ البيت. البيت الذي دخل كل منزل لبناني من دون استئذان، فمَلَك المكان ، واستقرّ في القلوب بصدقٍ نادر. لا ابالغ يا رندة، فهناك ممثلون نشاهدهم، وهناك ممثلون نصدقهم ونشعر أنهم يشبهون أفراد عائلاتنا. وأنتِ من الفئة التي لا تُشاهَد فقط، بل تُعاش.
في عيدكِ، لن أتمنى أن تبقى بترا وتمارا دائماً قربكِ… سامحيني على هذه الأمنية القاسية. دعيهما تحلّقان بعيداً، أبعد من حدود وطن يُتعب أحلام أبنائه ويضيّق على أجنحتهم. هناك سيجدان العالم الذي يستحقّانه. أما نحن هنا، فحتما سنستفيد من وجعك . اعذري انانيتي ولكنني متأكدة اننا سنكتشف فيكِ وجهاً جديداً للأمومة: أمّاً تعرف كيف تحوّل الفقد إلى فن، والاشتياق إلى فلذات الروح الى مشهد، والغصة إلى جملةٍ لا تُنسى. أمّاً تستطيع أن تعبُر تجربة اقتلاع القلب من القلب، والنبض من النَفَس، وتحوّلها إلى فن يشبه الطعنات الجميلة.
Screenshot
في عيدكِ يا رندة… الأمنية الوحيدة التي أريدها لكِ حقاً، هي ذلك الدور الذي لطالما حلُمتِ أنت به. ذلك الدور الذي يليق بكل هذا الاتساع الذي فيكِ. الدور الذي يكسر القالب الذي حُشرتِ فيه طويلاً، ويحرّركِ من كل توقّع مسبق. دور فيه الجنون والجموح، القسوة والهشاشة، الرغبة والخراب، الأنوثة المتعبة، والتمرّد الذي يشبه الحريق. دور يجعل الجميع يكتشف، مرةً جديدة، أن كل ما قدّمته رندة كعدي حتى الآن لم يكن إلا الجزء الظاهر فقط من جبل موهبة هائل.
Screenshot
عيد ميلاد سعيد يا رندة… وكل عام وأنتِ نعمة حقيقية على الفن اللبناني، وواحدة من أجمل الهدايا التي مرّت على الشاشة والناس والقلوب. هدية لا يمكن استبدالها، مهما كثرت المغريات، ومهما امتلأ العالم بالنسخ العابرة. لأن بعض الفنانين يمرّون في الذاكرة… وأنتِ تسكنينها.
Screenshot
Screenshot