ثقافة
في هذا الزمن ” الوِحِش”، الناقد الفنّي شاهد ما شافش حاجة”
جوزيفين حبشي
“حيث يجلس نابوليون، يكون صدر المكان“… هذا ما يُقال إن الإمبراطور نابوليون بونابرت، (عاشق جوزيفين على فكرة)، قاله يوم دخل متأخراً إلى حفلٍ ما، فجلس في الخلف. وعندما طلب منه صاحب الدعوة أن يتقدم إلى صدر المكان، أجاب: “حيث يكون نابوليون يكون صدر المكان“.
ومعه حق نابوليون. فالإنسان هو من يحدد قيمة موقعه، لا الموقع من يحدد قيمة الإنسان. إلا إذا… كان الإنسان صحافياً فعلياً أو ناقداً فنياً. عندها يصبح أفضل مكان ليس دائماً أقرب مكان، بل المكان الأنسب للوظيفة. لذلك قد يُجلَس الناقد في موقع أفضل تقنياً من كبار الضيوف أنفسهم.
Screenshot
هناك أعراف مهنية في توزيع مقاعد الصحافة والنقاد عند حضور عرض مسرحي أو عمل فني. والفكرة الأساسية هي منحه موقعاً يسمح له بالمشاهدة الدقيقة استعداداً لتقييم العمل لاحقاً. في العادة، يُخصَّص للصحافة صف أو أكثر في منتصف الصالة، لا في الصف الأول غالباً،لأن الوسط يمنح أفضل توازن للصوت والرؤية. وفي المسرح خصوصاً، يُفضَّل ألا يكون الناقد قريباً جداً من الخشبة فتضيع الصورة العامة، ولا بعيداً جداً فتضيع التفاصيل. وفي العروض المهمة أو الافتتاحات الرسمية، يُراعى أيضاً التسلسل الرمزي: الشخصيات الرسمية والرعاة في المقدمة، والصحافة في موقع ممتاز. والموقع الممتاز هنا ليس “صدر المجلس” بالمعنى التقليدي، بل غالباً ما بين الصف الرابع والسادس، أي المكان الأنسب مهنياً للمتابعة والتقييم.
أما حين يُرمى الناقد في الصف الأخير، فذلك يعني أن صاحب العمل لا يكترث فعلاً بتوفير موقع مناسب للمتابعة. وربما لا يكترث أصلاً بما سيُكتب عن عمله. لذلك، على صاحب العمل أن يعذر الناقد إذا حضر ولم يكتب عن عمله العظيم، لأنه ببساطة لم يرَ ولم يسمع كما يجب… أي “شاهد ما شافش حاجة” ، تماماً كعنوان المسرحية المصرية الشهيرة.
قد يكون معذوراً صاحب العمل ربما، فالزمن تغيّر، وأصبح “وِحِش“، أي سيئ باللهجة المصرية . وصار بعض الصويحفيون” يعتمدون على ” بيان صحافي” يوزعه عليهم الملحق الاعلامي، فينشرونه من دون أي اضافة، في حال طبعاً تمت دعوتهم طبعاً.
معذور صاحب العمل ربما، فالزمن تغيّر، وأصبح “وِحِش“، منذ أن اصبح الإنفلونسرز والفاشينيستاز و“نجوم” الإعلام أهم من النقاد الفنيين، ولهم اليوم صدر الدار. لذلك، لا داعي أصلاً لدعوة النقاد. وأصلًا..” ليش مين بعد بيقرا، لنعمل اعتبار للناقد؟”