فن ومشاهير
لعبة الايام… اليسا تدعو الدنيا الى هدنة
جوزيفين حبشي
“بشويش علينا يا دنيا…
ما حنّا استوينا يا دنيا…
طب بس هدنة يا دنيا…
ناخد نفسنا يا دنيا.”
بشويش علينا يا دنيا والله عليك يا اليسا، فهذه اغنية لا تُغنّى فقط، بل تُقال للحياة عندما تضيق، وللأيام عندما تثقل، وللروح عندما تتعب من الركض.
منذ اللحظة الأولى لصدور اغنية ” لعبة الايام” (الاثنين ٢٧ تموز، في تمام الساعة ٦ بتوقيت بيروت)، لم اشعر أنني استمع إلى أغنية، بل إلى صوت يشبهني ويشبهنا كلنا. صوت يعرف أن الإنسان لا يطلب من الدنيا المستحيل، بل يطلب فقط فسحةً صغيرة من السلام… هدنةً يستعيد فيها قلبه النبض، ويقنع نفسه بأن الغد قد يكون أرحم.
في “لعبة الأيام”، (كلمات الشاعر شادي نور، وألحان محمد يحيى)، لا تقف إليسا أمام الناس كفنانة تؤدي أغنية، بل كامرأة تعرف أن لكل قلب معركة لا يراها أحد. ولهذا تأتي اغنيتها خالية من الضجيج، لكنها ممتلئة بالحقيقة. لا تمنح وعودا وردية، ولا تتاجر بالألم، بل تفتح نافذةً للضوء، وتهمس لكل متعب بأن الأيام، مهما اشتدت، لا تبقى على حال.
ربما لهذا بقيت إليسا، على امتداد السنوات، أكثر من نجمة. بقيت ملهمة. لأنها لم تغنِّ يوما من خارج الإنسان، بل من داخله. كانت تعرف دائما أن الأغنية الجميلة لا تُقاس بعدد نغماتها، بل بعدد القلوب التي تجد نفسها فيها.
ثم يأتي الكليب ( اخراج نديم حبيقة) … ليكمل الرسالة. في زمن أصبح فيه كل شيء قابلاً للتجميل، وكل صورة قابلةً للاختراع، وكل مشهد رهينة المؤثرات البصرية والذكاء الاصطناعي، اختارت إليسا أن تراهن على الشيء الوحيد الذي لا تستطيع التكنولوجيا أن تصنعه… الإنسان ببساطته وحقيقته. تماما مثل كليب اغنية ” حبك متل بيروت” ( اخراج ايلي فهد) لا قصور في كليب “لعبة الايام” ولا استعراض، ولا عوالم خيالية. فقط بشر يشبهوننا. وجوه تحمل تعب الأيام، لكنها لا تزال تعرف كيف تبتسم. عيون خبأت دموعها كي تكمل الحياة. تفاصيل صغيرة، لكنها تشبه بيوتنا، وشوارعنا، وذاكرتنا.
وهنا حضرت في ذهني المقولة الفرنسية:
La simplicité fait la beauté.
لكن هذا الكليب جعلني أقرأها بطريقة مختلفة. البساطة ليست نقيض الإبداع… إنها ذروته. والجمال لا تصنعه البساطة وحدها، بل تصنعه الحقيقة، ويصنعه الصدق، ويصنعه الإحساس.
الجمال ليس في كثرة المؤثرات، ولا في الإبهار المصنوع، ولا في المشاهد التي تخطف العين للحظات ثم تُنسى. الجمال الحقيقي يولد من نبض الحياة نفسها. من يوميات الناس… من وجعهم وفرحهم، من انتظارهم الطويل، ومن أحلامهم التي تكبر رغم الخيبات، من نجاحاتهم الصغيرة التي تعني لهم العالم، ومن انكساراتهم التي لا تمنعهم من الوقوف من جديد، من ضحكاتهم الصادقة، ومن دموعهم التي لا تخجل من أن تكون بلسماً ومتنفّساً.
هذا هو الجمال الذي اختارت إليسا أن تحتفي به. لم تبحث عن صورة أجمل من الإنسان، لأن الإنسان، عندما يكون حقيقيا، هو أجمل صورة. ولم تبحث عن مشاهد تُدهش العين، بل عن لحظات توقظ الذاكرة، وتجعل كل واحد منا يرى نفسه في تفاصيلها.
هذا الكليب يشبهنا نحن الناس البسطاء في كل زمان ومكان . يشبه كل شعب تعلّم أن يجمع شظايا أيامه بيديه، وأن يزرع وردةً فوق الركام، وأن يبتسم رغم كل ما سُرق منه. كليب يشبه الذين لا ينتصرون لأن الحياة كانت عادلة معهم، بل لأنهم رفضوا أن يسمحوا للهزيمة بأن تصبح هويتهم.
ولعل اللبنانيين، أكثر من غيرهم، يفهمون هذه اللغة. لغة الذين يتعبون كثيرا، ويخسرون كثيرا، لكنهم يعودون دائما للحياة، للفرح، للرقص ، للضحكة التي تنير المكان رغم انقطاع الكهرباء ، للقاء على سطح مبنى ، لشرب كأس الحياة مع لقمة تبولة وصحن حمص بطحينة ، لأنهم يؤمنون أن الانكسار محطة، وليس نهاية.
لهذا، لم تكن “لعبة الأيام” مجرد أغنية جديدة، وكليب جديد، بل رسالة تقول إن الفن لا يزال قادراً أن يكون مساحة عزاء، ونافذة أمل، ويداً تربت على كتف كل من أنهكته الأيام.
وشكراً إليسا… لأنك، في زمنٍ يتسابق فيه الجميع لإبهار العيون، اخترتِ أن تخاطبي القلوب. ولأنك أثبتِّ مرةً جديدة أن ما يبقى في الذاكرة ليس أكثر الأعمال تعقيداً، بل أكثرها صدقاً وإنسانية وملامسة للروح والحنين.
تلك التي لا تُبهرنا بما فيها، بل تلك التي تجعلنا نرى أنفسنا فيها.