ثقافة
ماذا عن أيقونات الفن في لبنان؟
جوزيفين حبشي
تخيّلوا لو قيل لكم ان ميريل ستريب ، أيقونة التمثيل في هوليوود، وروبرت دي نيرو النجم العالمي، لا يملكان منزلاً. طبيعي أن تبتسموا بسخرية.
طيب، ماذا لو قيل لكم ان النجمة العربية يسرا تعيش في بيتٍ بالإيجار؟ وأن الزعيم عادل إمام لا يملك ثمن عملية جراحية؟ وأن السنديانة الدمشقية منى واصف تلقت إنذاراً بإخلاء منزلها لأنها لم تعد قادرة على دفع الإيجار؟ مرّة أخرى، سترفضون التصديق.
لكن، ماذا لو كان هذا ليس خيالاً ولا مبالغة؟ ماذا لو كانت الحقيقة أقسى من أي سيناريو؟ في الدراما اللبنانية، حيث وُلدت “أرزات” شامخات بالموهبة والكرامة ، وحيث صنع ممثلون كبار ذاكرة أجيال كاملة، هناك واقع صادم لا نحب أن نراه: فنانون ايقونيون أفنوا أربعين وخمسين وستين عاما من أعمارهم على بلاتوهات التصوير ، لا يملك اكثرهم اليوم شقة، ولا ضمانا صحيا، ولا حتى الحد الأدنى من الأمان الذي يحميهم من ذلّ الحاجة.
لن نذكر اسماء، حفاظا على كرامة يصممون على المحافظة عليها ، ولكن صمتهم لا يعني ان نصمت نحن ايضا. نعم، قد نبالغ حين نقارن بهوليوود أو بالنجومية العربية اللامعة. لكن المفارقة ليست في الأسماء، بل في الفكرة نفسها: كيف يمكن لصناعة انتاجية أن تستهلك أعمار ناسها، ثم تقلل قيمتهم المادية والمعنوية عند أول منعطف قاس؟
كيف تُدفع مبالغ ضخمة هنا وهناك، بينما تُختزل قيمة “الأيقونات” إلى أجرٍ بالكاد يكفي إيجار منزل؟ كيف يُعامَل من كان يوماً عمود العمل الفني، كأنه تفصيل ثانوي؟ ولماذا هذا الإجحاف أصلاً، مادياً ومعنوياً، بحق ممثلين حضورهم وحده يملأ العمل قيمة، وينفخ فيه روح الإبداع، ويجمّل صورته، ويشدّ إيقاعه؟ هؤلاء لم يحتاجوا يوماً إلى وجوه بلا تعابير تُحقن بإبر البوتوكس والفيلر. قوّتهم كانت ، وما زالت ، في صدق الأداء، في ملامح تحمل ذاكرة أدوار، وفي حضور لا يمكن استنساخه.
لكن الحقيقة الأشد قسوة تكمن هنا: في الأجور. في الأرقام التي لا تُقال، لكنها تُشعِر بالإهانة. كيف يُعقل أن تُبنى أعمال على أكتافهم، ثم تُدفع لهم أجور لا تعكس تاريخهم ولا وزنهم الفني؟ كيف تُفتح الميزانيات بسخاء لأسماء “رائجة”، بينما تُقاس قيمة من صنعوا الدراما بأرقام خجولة؟ المفارقة أنهم لا يطلبون المستحيل. كل المطلوب هو أجر عادل يوازي سنوات العمر التي أُنفقت، وقيمة الحضور التي لا تُشترى. ولكن ما يحدث هو العكس تماماً: كلما تقدّم العمر، تراجع الأجر. وكلما ترسّخت القيمة، جرى التعامل معها كأمر مفروغ منه لا يستحق الدفع. هذا ليس تقشفاً إنتاجياً، بل خلل في الأولويات. خلل يختصر الفن في السوق، والقيمة في “الترند”، والتاريخ في خانة النسيان. وهنا، لا يعود السؤال عن المال فقط، بل …عن الكرامة. الكرامة أن لا تضطر ممثلة كبيرة، صنعت مجد الشاشة، أن تقلق آخر كل شهر: هل أستطيع دفع الإيجار؟ الكرامة أن لا يقف ممثل على باب مستشفى، ينتظر اتصالا أو واسطة أو فاعل خير . الكرامة أن يُردّ لهم بعض مما أعطوا… لا أن يُتركوا لمواجهة القدر والحياة والعمر بوحدة.
ولعلّ الأكثر إيلاماً أن هؤلاء الأيقونات لا يرفعون الصوت للمطالبة بحقوقهم ، خجلاً ربما، أو لأن كرامتهم تأبى أن تُترجم إلى شكوى.
ليست المشكلة أنهم لم يعدودوا في “سن البطولة” كما يقال، بل المشكلة أننا اختصرنا الفن في عمرٍ وشكلٍ وسوقٍ سريع النسيان، وكأن الخبرة عبء، والتاريخ تفصيل، والموهبة الحقيقية لم تعد تُقاس إلا بما تجلبه من “مشاهدات”.
أي دراما هذه التي تنسى جذورها وتقهر كبارها؟ هؤلاء الممثلون لم يكونوا مجرد أسماء في تترات قديمة. كانوا روح الأعمال، وعمقها، وذاكرتها. كانوا السبب في أن نؤمن بالشخصيات، ونبكي معها، ونضحك معها، ونشبهها. ومن دونهم… يصبح كل شيء قابلا للاستبدال.
المطلوب اليوم ليس شفقة، ولا حملات موسمية من التعاطف. المطلوب عدالة. عدالة في الأجور، لا تميّز بين “نجم ترند” و”أيقونة تاريخ”. عدالة في الضمان، تضمن حياة كريمة بعد عقود من العطاء. وعدالة في الذاكرة، ترفض أن يتحول الكبار إلى منسيّين. لأن الحقيقة التي لا نريد مواجهتها هي هذه: حين نخذل من صنعوا وجداننا… نحن لا نظلمهم فقط، بل نكشف فقرنا نحن. فقر في الوفاء. وفقر في فهم معنى الفن نفسه.
القضية ليست أرقاماً فقط، بل موقف: إما أن نعتبر الفنان الايقونة ركيزة أساسية في الصناعة، ونعامله بما يليق، أو نعترف بصراحة أننا أمام صناعة تستهلك كبارها ثم تبخسهم حقهم. ايقوناتنا لا يطلبون الكثير. فقط… أن يعيشوا بكرامة.