فن ومشاهير

مايكل : الإنسان المحاصر داخل الأسطورة

Published

on

جوزيفين حبشي

لطالما شعرت بالحزن عندما كنت أرى أو  أسمع مايكل جاكسون. وعندما شاهدت فيلم Michael  حزنت أكثر.

بمنتهى الصراحة، لا يهمّني كثيراً الجدل الذي طاول الفيلم فنياً وأخلاقياً، ولم أطرح على نفسي السؤال الذي طرحه كثيرون: هل يمكن صناعة فيلم عن مايكل جاكسون بوصفه عبقرياً موسيقياً وإنساناً هشّاً، من دون مواجهة كاملة للأسئلة الأكثر ظلاماً في سيرته؟ ربما لأنني كنت أراه دائماً طفلاً متألماً، وجدت نفسي أميل إلى النظر إليه من زاوية الهشاشة أكثر من زاوية الاتهام.

Screenshot

الفيلم، الذي جسّد دور البطولة فيه بإقناع  كبير جعفر جاكسون ابن شقيق مايكل، هو من كتابة جون لوغان واخراج انطوان فوكوا. ويتناول السيرة الإنسانية المعقّدة لملك البوب، منذ طفولته مع  فرقة The Jackson 5 وصولاً  إلى ذروة نجاحه الفني في الثمانينيات، مع اهتمام خاص بعلاقته الصعبة بوالده الذي كان يعنّفه ويضربه.

في “مايكل” لا يبدو الصعود إلى النجومية انتصاراً بقدر ما يشبه خسارة متواصلة للواقع. الفيلم لا يروي فقط حكاية فنان استثنائي خرج من الفقر، بل يقدّم صورة إنسان تحوّل تدريجياً إلى كائن مصنوع من توقّعات الآخرين. منذ اللحظة الأولى، يضع العمل بطله داخل آلة ضخمة لا تتوقّف: العائلة، شركات الإنتاج، الجمهور، الإعلام، وحتى صورته الخاصة التي ستصبح لاحقاً عبئاً عليه.

أكثر ما أثّر بي في الفيلم ليس طفولة مايكل جاكسون القاسية فحسب، بل الطريقة التي تآكلت بها الحدود بين الشخص الحقيقي والشخصية العامة. كلما ازداد نجاحه، بدا كأنه يبتعد أكثر عن نفسه. المسرح لم يكن مساحة حرية، بل مكاناً يفرض عليه أن يبقى في حالة أداء دائم. حتى لحظات الصمت تبدو مراقَبة، وكأن مايكل لم يعد قادراً على العيش خارج الضوء الذي صنعه.

Advertisement

Screenshot

الفيلم ينجح في إظهار الشهرة كنوع من العزلة. آلاف المعجبين يحيطون بمايكل، لكن الكاميرا تتركه غالباً وحيداً داخل غرف الفنادق والسيارات والممرات الخلفية. الضجيج الخارجي يقابله فراغ داخلي هائل. وهذه المفارقة تمنح العمل قوته الحقيقية: النجم الأكثر حضوراً في العالم يبدو الأقل قدرة على بناء علاقة طبيعية مع العالم.

جعفر جاكسون لم يكتفِ بتقليد حركات مايكل الشهيرة ونبرة صوته، بل التقط  بحساسية كبيرة هشاشة شخصية تعيش تحت ضغط الصورة. أداؤه يُظهر رجلاً يخاف من الانطفاء بقدر ما يخاف من الاقتراب من الناس. لذلك يصبح الهوس بالكمال مفهوماً داخل الفيلم: المظهر، الرقص، الإيقاع، السيطرة الدقيقة على كل تفصيل… كلها محاولات لمنع التشققات الداخلية من الظهور أمام الجمهور.

ومن أكثر أفكار الفيلم قسوة أن مايكل لم يكن يملك رفاهية الفشل. الطفل الذي اعتاد أن يكون المعجزة داخل عائلته، صار لاحقاً مطالباً بأن يبقى معجزة أمام العالم كله. هنا يتحول النجاح إلى سجن. أي تراجع، أي خطأ، أي ضعف إنساني، يبدو تهديداً مباشراً للصورة التي بُنيت حوله.

حتى تغيّرات وجه مايكل وجسده لا يقدّمها العمل بوصفها تفاصيل شكلية فقط، بل كعلامات على صراع أعمق مع الهوية. هناك رجل يحاول باستمرار إعادة تشكيل نفسه، كأنه غير قادر على التصالح مع صورته الأصلية. الوجه يتبدّل، لكن القلق يبقى نفسه. كأن الفيلم يقول إن الشهرة لا تصنع بالضرورة ثقة بالنفس، بل قد تضاعف الشعور بالنقص وتجعله مرئياً أمام العالم بأسره.

اللافت أيضاً أن الفيلم يتعامل مع الجمهور بعين مزدوجة. الحب الجماهيري يظهر كقوة تمنح مايكل معنى للحياة، لكنه في الوقت نفسه يتحول إلى علاقة استهلاكية شرسة. الناس يريدون منه أن يبقى أسطورة إلى الأبد، بينما جسده ونفسيته ينهاران تدريجياً تحت هذا الطلب المستمر. التصفيق هنا ليس بريئاً بالكامل، بل هو جزء من النظام الذي يستهلك الفنان ثم يطالبه بأن يواصل الابتسام.

مجدداً، لم يزعجني أن الفيلم، رغم حساسيته الإنسانية، تعمّد البقاء داخل المنطقة الآمنة، ولم يدخل فعلياً في تفكيك صورته العامة بعد الاتهامات التي لاحقته. أحببت أنه فضّل التركيز على فكرة الإنسان المحاصر داخل الأسطورة، لأن هذا الخيار جعل الفيلم أكثر قرباً من الألم الداخلي لشخصيته.

Advertisement

وفي النهاية، “مايكل” ليس فيلماً عن الموسيقى فقط، ولا عن طفل تعرّض للقسوة ثم أصبح نجماً. إنه فيلم عن الثمن النفسي للتحول إلى أيقونة. عن شخص عاش حياته وهو يُشاهَد باستمرار، حتى فقد القدرة على معرفة مَن يكون حين تُطفأ الكاميرات.

Screenshot

Exit mobile version