منوعات
من لبنان… الكاتول
جوزيفين حبشي
الكاتول… تذكرونه؟ لا، هو ليس مجرّد قرص أخضر يحترق ببطء في زاوية الغرفة. وليس مجرّد دخان يطرد البرغش عن وجوه النائمين. الكاتول في الذاكرة اللبنانية شيء أكبر من ذلك بكثير. إنه قطعة صغيرة من زمن كامل.
ما إن تشتعل حافته الحمراء حتى يبدأ الليل اللبناني الحقيقي. عتمة الكهرباء، صوت المولّد البعيد، قصف على بيروت ، مكتب تحرير صوت لبنان في خبر جديد، شبابيك مفتوحة على حرّ الصيف، وأمّ تفتّش عن علبة الكاتول، قبل أن تحمل اطفالها وتركض باتجاه الملجأ . كان الدخان يتلوّى في الهواء مثل تعويذة قديمة، يرسم دوائر خفيفة فوق رؤوسنا، ويحرس نومنا أكثر مما يطرد البرغش.
في سنوات الحرب، حين كان الخوف ضيفا دائما على البيوت والملاجئ، كان الكاتول حاضراً أيضاً. بين وجوه متعبة تنتظر الصباح، وبين ساندويشات البيكون وعلب مارتديلا مالينغ التي لا تحتاج إلى برّاد، كان ذلك القرص الأخضر يحترق بصبر مثل اعصابنا. كأنّه يقول لنا إن الحياة، رغم كل شيء، ما زالت مستمرة. ما زال هناك ليل يجب أن يمرّ، وأطفال يجب أن يناموا، وأمهات يردن حماية ما تبقّى من الطمأنينة، وأباء يسهرون بانتظار انبلاج الفجر.
لذلك لا يستحضر اللبناني رائحة الكاتول كرائحة مبيد للحشرات. يستحضرها كرائحة وطن. كرائحة بيت. كرائحة صيف. كرائحة انقطاع دائم للكهرباء. كرائحة أمّ تسهر قرب النافذة وهي تحمل مسبحتها وتصلّي. وكرائحة وطن تعلّم أن يصنع من أبسط الأشياء شعوراً بالأمان.
كان الكاتول يحترق ببطء، وكذلك كانت السنوات. يترك خلفه رماداً رقيقاً ودخاناً عالقاً في الستائر والذاكرة. لكنّه ترك أيضاً شيئاً آخر: دليلاً صغيراً على أن الناس يستطيعون أن يتعايشوا مع النقص، وأن يجدوا في أبسط الأدوات رفقة ضد الوحدة والخوف.
اليوم، قد لا يتذكّر كثيرون شكل ذلك الديك المرسوم على العلبة، ولا درجة الأخضر في ذلك القرص الدائري كمتاهة حياتنا التي لا تزال تدور في حلقة مقفلة، لكنّهم إذا شمّوا الرائحة نفسها فجأة، في ليلة صيفية حارّة، سيعود كل شيء دفعة واحدة: الملجأ، العائلة، العتمة، الأحاديث الهامسة، والبلد الذي كان يتعب كثيراً لكنه يصرّ، كل صباح، وقبل صياح ديك العلبة، على أن يستيقظ من جديد.
ذلك هو الكاتول في الذاكرة اللبنانية: ليس دخاناً لطرد البرغش، بل دخاناً يحمل وجوه الذين عبروا الليل معاً…