فن ومشاهير

ورد على فل وياسمين… مسلسل عَطِر وخاتمة بلا رائحة

Published

on

جوزيفين حبشي

أنا أحب النهايات السعيدة، ونهاية مسلسل “ورد على فل وياسمين” من أكثر النهايات التي أحزنتني وصدمتني وأغضبتني. لكن قبل الحديث عن النهاية، لا بد من القول إن “ورد على فل وياسمين” كان واحداً من أجمل الأعمال العربية التي تابعتها في الفترة الأخيرة. فقد جمع بين الحس الإنساني العميق والطرافة والكتابة الذكية والإخراج المتقن، وقدم شخصيات نابضة بالحياة بدت وكأنها جزء من الواقع المصري اليومي. وبرغم المأساة التي كانت تلوح في الأفق منذ وقت مبكر، لم يغرق المسلسل في الكآبة، بل عرف كيف يسرق قلوبنا ويفجّر ضحكنا في لحظات كثيرة بفضل كوميديا عفوية وإنسانية خرجت من الشخصيات نفسها لا من المواقف المفتعلة. كما قدّم أبطاله أداءً استثنائياً، تتقدمهم صبا مبارك في واحد من أجمل أدوارها، إلى جانب أحمد عبد الوهاب وميمي جمال وفدوى عابد، فكانوا جميعاً جزءاً من عمل متوازن جمع بين الدموع والابتسامة بالقدر نفسه من الصدق والإتقان.

Screenshot

نعم، صُدمت بوفاة إلهام بعد صراعها مع سرطان الدم، خصوصا أن الأحداث في الحلقات الأخيرة كانت توحي بإمكانية تحسن حالتها أو حصولها على نهاية سعيدة مع طارق. وكان المسلسل، بإيقاعه ومناخه، يوحي دائماً بباقة من الزهور الفواحة رغم ما فيها من شوك، ولذلك تأملنا نهاية سعيدة، حتى وإن كانت الحلقات الأخيرة قد أظهرت تدهوراً مستمراً في وضعها الصحي بالتزامن مع ارتباطها وخطبتها من طارق.

Screenshot

طيب، لماذا هذه النهاية؟ المسلسل اختار الواقعية بدل الحكاية الحالمة، فمنذ اكتشاف مرض إلهام، لم يُقدَّم المرض كعقبة مؤقتة ستُحل في النهاية، بل كحقيقة قاسية تؤثر في كل قراراتها وعلاقاتها. لذلك فإن وفاتها جعلت المسلسل أقرب إلى الواقع من النهايات الرومانسية التقليدية. أيضاً، انتهت القصة باكتمال رحلة إلهام الشخصية، فهي لم تكن تبحث فقط عن الحب، بل عن استعادة ثقتها بنفسها وإحساسها بقيمتها بعد تجارب صعبة. وفي نهاية القصة كانت قد حققت جزءاً كبيراً من هذا التحول الداخلي، حتى لو لم تحصل على العمر الذي كانت تتمناه. وإذا أردنا أن نوغل في العمق أكثر، فإن المسلسل ينتهي بالتأكيد على أثر الحب لا استمراره. فالرسالة تبدو أن قيمة العلاقة بين إلهام وطارق لا تُقاس بطول مدتها، بل بالأثر الذي تركه كل منهما في حياة الآخر. فالحب غيّر الشخصيتين حتى وإن لم ينتهِ بزواج وحياة طويلة معاً.

Screenshot

ومع ذلك، من الواضح أن جزءاً كبيراً من الجمهور – وأنا أولهم – شعر بأن النهاية كانت قاسية، لأن المسلسل بنى تعاطفاً كبيراً مع إلهام وجعل المشاهدين يتمنون لها النجاة والاستقرار مع طارق. ولهذا السبب انقسمت ردود الفعل بين من رأى النهاية مؤثرة وواقعية، ومن اعتبرها ظلماً للشخصية بعد كل ما مرت به.

ومن وجهة نظري، المشكلة ليست بالضرورة في وفاة إلهام نفسها، بل في ما جاء بعدها. فمثلي مثل كثير من المشاهدين، أستطيع تقبّل نهاية حزينة إذا شعرت أن مصائر الشخصيات الأخرى أُغلقت بشكل مقبول ومُرض. لكن عندما انتقلت الأحداث إلى زواج طارق وإنجابه، بدا الأمر وكأن المسلسل استعجل طي صفحة إلهام بدل أن يمنح مساحة كافية لأثر غيابها.

Screenshot

كما أن غياب أي إشارة لما حصل لكريم، ابن إلهام، يمثل ثغرة مهمة درامياً. فبعد أن استثمر المسلسل وقتاً طويلاً في بناء علاقة طارق بإلهام وابنها، كان من الممكن أن تكون النهاية أكثر تأثيراً لو أظهرت استمرار طارق في رعاية كريم أو البقاء جزءاً من حياته، أو حتى نجاح كريم بعد سنوات متأثراً بما تعلمه من والدته وطارق.

أما بالنسبة لأم إلهام وصديقاتها، فإن ترك مصيرهن دون توضيح كافٍ خلق فراغاً عاطفياً واضحاً. فعندما يقضي المشاهد حلقات طويلة مع عائلة الشخصية الرئيسية، يتوقع أن يرى كيف أثرت الوفاة عليهم وكيف أعادوا بناء حياتهم بعدها. غياب هذه المشاهد جعل النهاية غير مكتملة، حتى لو كانت الفكرة الأساسية واقعية.

Screenshot

كنت أحب أن أعرف كيف تعاملت أسرة إلهام مع خسارتها، وأن أرى بصورة أوضح الأثر الذي تركته فيمن حولها، بدل التركيز على أن الحياة استمرت بالنسبة لطارق فحسب.

هذا النوع من النهايات يُسمى “النهاية المُرّة الحلوة”، حيث تموت الشخصية الرئيسية، لكن إرثها يبقى حياً بوضوح في الشخصيات الأخرى. ويبدو أن هذا أقرب لما كنت أتمنى رؤيته.

Advertisement

نعم، أنا أحب النهايات السعيدة، ومسلسل “ورد على فل وياسمين” (تأليف عمرو سمير عاطف ووائل حمدي وإخراج محمود عبد التواب )كان يستحق، في رأيي، نهاية مختلفة بعدما قضينا معه ومع صبا مبارك المدهشة وأحمد عبد الوهاب الرائع خمسة عشر حلقة ممتعة بكل ما للكلمة من معنى. لذلك فإن اعتراضي ليس على واقعية الوفاة بقدر ما هو على طريقة إنهاء خطوط الشخصيات بعد الوفاة. كثير من الأعمال تختار النهاية السعيدة، لكن هذه النهاية أرادت أن تضع المشاهد أمام حقيقة أن بعض القصص الجميلة لا تنتهي كما نتمنى، وأن الفقد جزء من التجربة الإنسانية. وهذا صحيح. فموت إلهام كان مؤلماً لكنه مفهوم درامياً. لكن القفز سريعاً إلى حياة طارق الجديدة وترك بعض الشخصيات دون خاتمة واضحة هو ما جعل النهاية أقل إشباعاً عاطفياً لي، ولكثير من المشاهدين.

وفي الختام… لم أحب الخاتمة، رغم أن المسلسل من أجمل ما تابعت منذ فترة طويلة.

Exit mobile version