فن ومشاهير
يا حرام على من يظن أن الدراما مجرد خيال
جوزيفين حبشي
أحياناً لا تحتاج الحياة إلى كاتب سيناريو كي تُربكنا… يكفي أن تضع أمامنا مشهداً واحداً في مكانٍ عام، حتى نبدأ نتساءل: هل ما نراه واقع أم لقطة من عملٍ درامي؟
في طرابلس، كادت نزهة عائلية داخل أحد المقاهي لمتابعة مباراة في كرة القدم أن تتحول كابوساً. طفلة في الرابعة من عمرها، لحظة غفلة قصيرة، وشخص يرتدي زيّ شخصية كرتونية يستغل الزحام ليقترب منها ويقودها الى الداخل بعيدا عن الزحام . لكن ما كاد أن يمرّ بهدوء لم يمر. حركة انتباه مفاجئة، ثم تدخل سريع من العائلة التي أوقفت ما كان يمكن أن يكون مأساة. فجأة تبدل مسار الحكاية بالكامل، وكأننا أمام مشهد مكتوب بإتقان، لكن من دون مخرج مثل فيليب اسمر يصرخ: “اكشن!”
لم تكن الطفلة على علم أنها كانت على حافة خطر، ولم يكن المشهد بحاجة إلى موسيقى تصويرية ليصبح مرعباً. كان واقعياً أكثر مما يحتمل.
Screenshot
والمفارقة أن مسلسل “بالحرام” لشركة ايغل فيلمز كان قد قدّم في لقطته الختامية مشهدا مشابها، في مكان عام أيضا، حيث يحاول شخص يرتدي زيّ شخصية كرتونية استدراج طفلة. مشهد بدا حينها دراميا صادما، لكنه اليوم يبدو أقرب إلى تنبيه متأخر مما كان يُظن. الفرق الوحيد أن ما شاهدناه على الشاشة انتهى عند “الكات”، أما ما حدث في طرابلس فلم يكن هناك من يوقفه إلا يقظة عائلة في اللحظة الأخيرة.
وايضا للمفارقة، لم يحتج المشهد إلى ممثلٍ مثل بديع ابو شقرا حتى يكتسب قوته، فالقوة هنا أنه لم يكن تمثيلاً أساساً. لم تكن كاميرا خفية، ولا حلقة من مسلسل، بل واقعاً خاماً، قاسياً، يمرّ قربنا دون مونتاج أو إعادة تصوير.
Screenshot
فيديو الطفلة في طرابلس مع المتحرّش المتنكر الذي اكتسح منصات السوشل ميديا ، والذي ارفقه النشطاء على مواقع التواصل بفيديو المشهد الاخير من مسلسل ” بالحرام”، دفعني فورا لارساله الى نجمة ” بالحرام” ماغي بو غصن المتواجدة حالياً في دبي، حيث تستكمل عروض مسرحيتها “منتزه الخيران” بعد النجاح الكبير الذي حققته في الكويت. ماغي التي وصلها الخبر من عدة جهات منذ انتشار الفيديو، ردًت بشكل بسيط وصادم في آن:
“وهناك من يقول إن الدراما مجرد خيال وهي تخترع قصصا غير موجودة في الواقع…و هل تريدون واقعاً أكثر من ذلك”؟
تلك الجملة تختصر كل شيء. لأن ما حدث لم يكن حبكة مكتوبة، ولا أداءً تمثيلياً، بل حياة حقيقية بكل هشاشتها.
ما قالته ماغي يؤكد أن الدراما لا تُبنى فقط على الترفيه، بل على محاولة فتح نوافذ على ما يحدث حولنا فعلاً. الدراما في أفضل حالاتها ليست هروباً من الواقع، بل مرآةٌ له، تكبّره أحياناً كي نراه بوضوح أكبر قبل أن نفاجأ به في الشارع.
وهنا تصبح الفكرة أبعد من مقارنة بين مسلسل وواقع. تصبح سؤالا مباشرا عن مدى انتباهنا اليومي، عن المساحات العامة التي نعتبرها آمنة تلقائياً، وعن هشاشة هذا الاطمئنان.
الدراما، في أفضل حالاتها، ليست خيالا منفصلا عن حياتنا، بل إنذار مبكر لها. وما بين مشهد مكتوب وآخر يحدث دون كتابة، تبقى المسؤولية واحدة: أن نرى، أن ننتبه، وألا نكتشف الخطر بعد فوات اللحظة.
ربما لهذا السبب تحديدا تستفزنا الدراما حين تقترب من الواقع أكثر من اللازم، ثم نفاجأ أن الواقع كان قد سبقها بخطوة. وما بين الاثنين، يبقى الأمل أن لا نحتاج إلى مسلسل كي نتعلم كيف نحمي أطفالنا… وأن لا يكون وعيُنا مرتبطاً بلقطةٍ مؤثرة، بل بيقظةٍ دائمة لا تنطفئ مع انتهاء الحلقة.