السينما تنضج ولا تشيخ… بقلم جوزفين حبشي

العمر لا يحمينا من الحب
الموت لا يحمينا من الحياة
التجاعيد لا تعيق الممثل عن تقديم اجمل اداء.ربما من المفيد لجميع المنتجين والمخرجين وخصوصا كتاب سيناريو الأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية في لبنان وفي عالمنا العربي أن يشاهدوا فيلم Film Stars Don’t Die In Liverpool من انتاج ٢٠١٧، ويبدأوا بكتابة أدوار بطولة مطلقة ومهمة لممثلين ناضجين، تخطوا سن الشباب صحيح، ولكن عمرهم الذي نتمناه طويلا، يمتلئ بخبرات متنوّعة وتجارب غنية ومعايشات لا يمكن للشباب تجسيدها. أفلام وموضوعات لا يمكن لأحد غيرهم رفعها على أكتافهم لأنهم الأدرى بها، ولأن تلك الموضوعات تشكل جزءاً أساسيا من الحياة. الحياة التي لم ولن تقتصر على الحب بين شابين والمشكلات التي قد يواجهانها، بل تمتلئ بما هو أعمق وأقسى ومؤثر أكثر، مثل وحدة العمر الثالث والضجر والعنوسة والتصابي والبحث عن حلم متأخر ربما، والمعاناة بسبب المرض ومرارة العمر المهدور والرغبة في ترك بصمة ما قبل فوات الأوان…


رجاء خاص آخر لكل ممثلاتنا اللبنانيات تحديدا ،الشبيهات بالثمرة الناضجة، أمثال الرائعات إلسي فرنيني ومارسيل مارينا ورندة كعدي ورلى حمادة وجوليا قصار وكارمن لبّس وتقلا شمعون ورندة الأسمر وهيام أبو شديد وجناح فاخوري ونوال كامل وغيرهن كثيرات، وخصوصا رجاء لنجمات الدور الاول الخائفات من العمر وكأنه تهمة او مرض خبيث، يحاربنه بدواء البوتوكس المبالغ والنفخ المشوّه للملامح والتعابير. رجاءً، شاهدن فيلم Film Stars Don’t Die In Liverpool واستمتعن بأداء الرائعة أنيت بينينغ (المرشحة 4 مرات لجائزة الأوسكار) التي ترفع الفيلم بتجاعيدها وتوهجها وشغفها وجنونها وابتساماتها ولمعان عينيها. إنها دعوة لنجماتنا اللبنانيات ليستمتعن بأداء أنيت بينينغ، وليرفعن رؤوسهن ويكنّ فخورات بعمرهن وتجاربهن وتجاعيدهن التي تزيدهن سحرا وعمقا وإنسانية. استمتعن بأداء أنيت بينينغ، وارفضن من الآن فصاعدا شخصيات سطحية تسجنكن في أدوار ثانوية لا طعم لها ولا نكهة.
الدعوة لمشاهدة Film Stars Don’t Die In Liverpool موجهة أيضا لجميع محبي أفلام السير الذاتية التي تدور حول شخصيات حقيقية، يؤديها نجوم رائعون بتفاعلهم وإحساسهم مثل أنيت بينينغ وجيمي بيل وفانيسا ريدغريف وجولي والترز.
الفيلم مقتبس من المحطة الأخيرة من حياة الممثلة والمغنية الأميركية غلوريا غراهام التي ولدت عام 1923 وتوفيت في نيويورك عام 1981 عن عمر يناهز ال 58 بسبب سرطان الثدي. غلوريا غراهام عاشت حياة فنية وعاطفية صاخبة جدا، فهي سبق ان فازت بأوسكار أفضل ممثلة في دور ثان عن دورها في فيلم The Bad and the Beautiful عام 1952، وتزوجت أربع مرات. زوجها الأخير هو طوني راي، ابن زوجها الثاني نيكولاس راي الذي فاجأها معه في السرير يوم كان الابن في سن الثالثة عشرة فقط. ويأتي الفيلم على ذكر هذه القصة بشكل عابر، لأن التركيز سيكون على المرحلة الأخيرة من حياة غلوريا، وعلى علاقتها العاطفية الأخيرة تحديدا مع ممثل بريطاني شاب ومبتدئ هو بيتر تيرنر الذي كتب قصته معها في كتاب تم اقتباسه للسينما من خلال شريط Film Stars Don’t Die In Liverpool من إخراج بول ماكغيغان.
ينطلق الفيلم من إنكلترا1981، وتحديدا من غرفة غلوريا غراهام (أنيت بينينغ) في أحد المسارح، حيث تستعد لتقديم دورها في إحدى المسرحيات. ولكن غلوريا ستسقط أرضا، ويتم نقلها الى المستشفى. في الوقت عينه سيتلقى بيتر ترنر (جيمي بيل) اتصالا من المستشفى الذي نقلت إليه غلوريا المصابة بسرطان في الثدي. بيتر الذي ربطته علاقة حب مع الممثلة التي تكبره سنا في السابق، سيزور غلوريا التي ستكذب عليه وتدعي أنها مصابة بتلبك معوي، وستطلب منه الانتقال الى منزل والديه (جولي والترز وكينيث غرانهام) في ليفربول لتعتني بها أمه بيلا. بيتر الذي لا يزال مغرما بها سيوافق، وعبر سلسلة من المشاهد الاستعادية (الفلاش باك) سنتابع بداية لقائهما عام 1979 وتطوّر قصة غرامهما، وانتقاله معها الى نيويورك، ثم تخليها عنه فجأة من دون ان تخبره أنها اكتشفت إصابتها بسرطان الثدي. هذه الحقيقة سيكتشفها بيتر بعد فوات الأوان وسيعرف ان أيامها باتت معدودة وهي ترفض الاتصال بعائلتها، وترغب ان تموت قربه. لماذا؟ ربما لأن التقدم في العمر لا يحمينا من الحب، فغلوريا التي عاشت حياة صاخبة وكانت امرأة غير تقليدية ومشاكسة، وتزوجت 4 مرات، شكّل لقاؤها ببيتر قبل عامين فقط من موتها، مفصلا في حياتها. من خلال بيتر وقعت غلوريا في غرام ليفربول التي تعتبر مكانا غريبا ومختلفا جدا عن هوليوود، كما أحبت فكرة عائلة بيتر المتحدة، هي التي لم تعرف الاستقرار العائلي يوما.

جمالية فيلم Film Stars Don’t Die In Liverpool تكمن بشكل أساسي في الأداءات الرائعة لمجموعة الممثلين، إضافة الى لعبة إخراج وتصوير ومونتاج ذكية جدا وساحرة مشهديا، تنقلنا بين الحاضر والماضي بفتحة باب، حيث يكفي أن يسير بيتر من باب مطبخه في ليفربول في الحاضر ليدخل الى شقة غلوريا في نيويورك في زمن ماضٍ. تقطيعات جميلة، وتنقلات رشيقة بين الماضي والحاضر، لندن ونيويورك، سرير من نار وحب في كاليفورنيا، وسرير من صقيع وخوف في مستشفى بريطاني، ستقص علينا قصة حب قوية ونافرة بطريقة مبتكرة لن تجعلنا نشعر بأي ضياع.

أما حبة الكرز على قالب الفيلم فهي طبعا الأداءات المؤثرة جدا، خصوصا أنيت بينينغ وجيمي بيل اللذين استفادا من لقائهما ببيتر تيرنر وكل ما قدمه لهما من معلومات حميمة وخاصة حول علاقته بغراهام. وهكذا استطاعت أنيت بينينغ أن تتقمص غلوريا غراهام وتقدم من خلال شخصيتها واحدا من أجمل أدوارها مع كثير من التلوّنات والانفعالات.

بينينغ تسحر الكاميرا التي تتعلق ببريق عينيها وتلتصق بتجاعيدها وتسرح مع خصلات شعرها القصير وتلهث وراء جنونها وشغفها ورقصها وقهقهاتها وأنينها.

السيدة وارن بيتي ورئيسة لجنة تحكيم مهرجان البندقية عام 2017، قدمت من خلال هذا الفيلم أداءً تستحق أن تفوز عنه أخيرا بجائزة أوسكار بعد أربع ترشيحات عن أفلام The Grifters وAmerican Beauty و Being Julia وThe Kids Are All Right. بدوره البريطاني جيمي بيل، عاشق الرقص الذي برز نجمه في عمر ال 13 عندما قدم دور البطولة في فيلم Billy Elliot، قدم أداء مؤثرا ومقنعا، فشكّل مع بينينغ ثنائيا سنصدقه على رغم فارق السن.
من خلال هذا الشريط سنتأكد ان
العمر لا يحمينا من الحب
وان الموت لا يحمينا من الحياة
وان التجاعيد لا تقف عائقا امام اداءات رائعة، الا في حال كان العائق اعاقة في بعض النفوس.

شاهد أيضاً

CECILIE BAHNSEN PRESENTS SS23 COLLECTION

Cecilie Bahnsen reflects on finding couture in the everyday, influenced by the individuality of women around her …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.