ثقافة
The Devil Wears Prada 2: الشيطان أصبح ملاكاً
جوزيفين حبشي
هناك أفلام تُصنع لتنجح، وأخرى تُصنع لتبقى. The Devil Wears Prada كان من تلك الأفلام النادرة التي تحولت، بمرور الوقت، إلى حالة ثقافية كاملة: جمل تُقتبس، مشاهد تُعاد، وشخصية مثل ميراندا بريستلي أصبحت مرجعاً لكل مدير جليدي يرتدي نظارات شمسية باهظة الثمن.
The Devil Wears Prada المصنوع بمزيج نادر من السخرية الذكية، وبريق الموضة، والتوتر النفسي للشخصيات، تحوّل مع الوقت إلى أيقونة ثقافية حقيقية. ولهذا تحديدا، كنا ننتظر الجزء الثاني من الفيلم الايقوني على أحرّ من جمر… ولكنه جاء أشبه بمحاولة إعادة تسخين فنجان قهوة فاخر ،شُرب قبل عشرين عاما. الرائحة موجودة، الكوب نفسه موجود، لكن الطعم… ليس تماماً.
Screenshot
الفيلم الجديد يحاول استعادة العالم الذي أحبّه الجمهور، لكنه يكتفي غالباً بإعادة تدوير عناصر النجاح القديمة بدل خلق روح جديدة خاصة به. الأناقة البصرية ما تزال حاضرة، والحوارات تحتفظ ببعض اللمعان، إلا أن الإحساس العام يوحي بأن الفيلم يعيش على ذاكرة الجزء الأول أكثر مما يصنع ذاكرته الخاصة.
الجزء الثاني يدخل عالم الموضة من بوابة “العصر الحديث”، فيتطرق إلى التحولات الكبرى التي أصابت عالم الإعلام والموضة خلال السنوات الأخيرة: من تراجع المجلات الورقية أمام المنصات الرقمية، إلى هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، وصعود المؤثرين، وحتى القلق المتزايد من الذكاء الاصطناعي وتأثيره على الصناعات الإبداعية. وكأن الفيلم يقول للمشاهد: “انظروا، نحن نواكب الموضة ” . كما يلامس الفيلم فكرة تغيّر ثقافة العمل نفسها، حيث لم تعد السلطة المطلقة والأساليب القاسية التي جسدتها ميراندا بريستلي مقبولة كما كانت في السابق. المشكلة أن كل هذا الحماس يشبه شخصا يرتدي كل صيحات الموضة في وقت واحد. النتيجة ليست أنيقة بالضرورة، بل مرهقة للعين.
حتى ميراندا بريستلي نفسها تبدو وكأن قسم الموارد البشرية أجبرها على حضور دورة في “التواصل الإيجابي”. تلك المرأة التي كانت قادرة على تدمير ثقة اصغر اميلي واكبر مصمم ازياء بنظرة واحدة، أصبحت أكثر هدوءا وأقل حدّة. وكأن الشيطان أصبح ملاكاً. ربما هذا تطور إنساني جميل، لكنه سينمائياً يشبه مشاهدة لبّوة فقدت اهتمامها بالصيد.
Screenshot
ومع ذلك، تبقى ميريل ستريب أكبر من الفيلم نفسه. حضورها كميراندا بريستلي يحمل تلك الهيبة الباردة نفسها، حتى عندما تصبح الشخصية أقل قسوة وأكثر هدوءاً مقارنة بالماضي. يكفي ظهورها في مشهد واحد لتستعيد الشاشة توترها وجاذبيتها. إنها ببساطة ممثلة تعرف كيف تمنح الشخصية سلطة تتجاوز الحوار نفسه. حتى عندما لا يقول النص شيئاً لامعاً، تنجح هي في جعله يبدو ساحراً. هناك ممثلات يؤدين الدور، وهناك ميريل ستريب التي تتصرف وكأن الدور كُتب بعد مراقبتها سراً.
ولا يقل ستانلي توتشي عنها تألقاً . شخصية نايجل لا تزال لحسن الحظ، تمتلك أفضل ما في الفيلم: الذكاء، السخرية، الطيبة والإحساس بأن الموضة لعبة عبثية يعرف جيداً كيف يضحك منها ومن نفسه في آن واحد. توتشي يؤدي الدور بخفة مدهشة وأناقة طبيعية تجعله يبدو وكأنه وُلد داخل هذا العالم. في كل مرة يظهر فيها، يرتفع مستوى الفيلم تلقائياً.
Screenshot
أما اميلي بلانت فتبدو الأكثر فهماً لطبيعة هذا العالم. أداؤها يحمل خفة وسخرية لاذعة تذكّرنا بسبب حب الجمهور للفيلم الأول أساساً. كلما ظهرت على الشاشة، يستعيد الفيلم شيئاّ من نبضه المفقود، وكأنها الوحيدة التي تدرك أننا هنا من أجل المتعة لا من أجل محاضرة عن مستقبل الإعلام الرقمي.
Screenshot
في المقابل، تمر آن هاثاوي في الفيلم مروراً مهذباً للغاية. ليست سيئة، وليس هناك ضعف واضح في الأداء، لكن الغياب الحقيقي كان في الكاريزما والتأثير اللذين ميّزاها في الجزء الأول. الشخصية تفتقد الشرارة، والأداء يفتقد المفاجأة، حتى ليبدو الأمر أحيانا كما لو أن الفيلم نفسه نسي لماذا كانت أندي مهمة في الأصل.
المشكلة الحقيقية أن الجزء الأول كان لاذعاً لأنه لم يكن خائفاً من القسوة. كان يعرف أن عالم الموضة يمكن أن يكون سطحياً، متوحشاً، وساخراً إلى حد العبث. أما الجزء الثاني، فيبدو حذراً أكثر من اللازم، كأنه يخشى إزعاج أحد على وسائل التواصل الاجتماعي. والنتيجة فيلم مقبول، أنيق، ومصنوع بحرفية، لكنه يظل ظلاً لفيلم أول لا يزال حتى اليوم عصياً على التكرار.
في النهاية، ينجح الفيلم في شيء واحد فقط: تذكيرنا بمدى روعة الجزء الأول. وهذه، على الأرجح، ليست المجاملة التي كان صُنّاعه ينتظرونها… ماذا بعد؟ that’s all كما تقول ميرندا .