فن ومشاهير
اجمل مشهد حب من دون كلمة” أحبك”
جوزيفين حبشي
حلقة نارية هي الحلقة ١٤ من مسلسل ” بالحرام”. ليس لأنها مليئة بأحداث ومفاجآت صاروخية ، بل لأنها استطاعت، ومن خلال مشهد واحد، ان تقدم واحدا من اقوى وأجمل الاعترافات بالحب من دون قول كلمة ” احبك”.
في الحلقة الرابعة عشرة من “بالحرام”, لا يحدث لقاءٌ عابر في بار، بل يحدث زلزالٌ صامت في قلبين يحاولان النجاة من نفسيهما. في بار أبو جورج، حيث الضوء خافت كاعتراف مؤجَّل، جلس مالك أمام جود كمن يجلس أمام مرآته للمرة الأولى. لم تكن الطاولة بينهما خشباً فحسب، كانت مسافة عمر كامل، ومسافة ذنب لم يُرتكب بعد، ومسافة حب يخشى أن يولد. عيون ترتجف أكثر من الكأسين والأيدي، والهواء مثقلٌ بكلماتٍ اختارت أن تبقى في الحنجرة وكأنها تعرف أن خروجها سيكسر شيئاً هشّا يصعب تجبيره.

Screenshot
مالك… ذلك الرجل الذي علّق قلبه منذ سنوات على طرف سريرٍ أبيض، حيث ترقد زوجته في غيبوبةٍ طويلة، كزهرة نائمة لا توقظها الفصول. لم يخنها يوما، لم يخذلها، كان وفيّاً كدعاء يتكرّر كل مساء. أحبّها بصبر يشبه العبادة، بسهر يشبه الحراسة، بقلب تعلّم أن يكتفي بالصمت. كان يظن أن الوفاء يعني أن يُغلق النوافذ كلها، أن يطفئ ما تبقى فيه من ضوء، أن يعيش بلا اشتعال. لكن جود ، امرأة الفصول والجنون والعواصف، وصلت اليه كنسمةٍ . وجدت شقا صغيرا في الجدار، فتسللت اليه من حيث لا يدري، وأيقظت في صدره شيئا كان يظنه مات.
في تلك اللحظات، لم يقل مالك “أحبك” لجود. لم يكن يستطيع. الكلمة كانت ستبدو خيانة معلنة لذاكرة لا تزال تتنفس على سرير بارد. لكنه قالها بطريقة أخرى… قالها بنظرة أطالها أكثر مما يجب، برعشة صغيرة في الصوت والقلب، بصمت صار اعترافا. قالها حين اختنق فجأة، كأن قلبه يسير على حبل مشدود بين امرأتين: واحدة نائمة في جسده، وأخرى أيقظت روحه. أراد أن يدفن إحساسه قبل أن يراه أحد، قبل أن يراه هو نفسه. لكن المشاعر، حين تتّقد من الداخل، لا تنطفئ بسهولة، بل تتحوّل جمراً في العينين، ارتباكاً جميلاُ، وخوفاً من أن يكتمل الضوء فيفضح كل شيء.

Screenshot
وأمام هذا التردّد النبيل، وقفت جود… أمامه وقفت جود التي لطالما خافت من الحب، كأنّه فخّ آخر تنصبه لها الحياة التي لم تنصفها يوما. امرأةٌ علّمتها الخيبات أن تغلق نوافذ قلبها باكرا، وأن تمشي في العتمة دون أن تنتظر يداً تُمسك بها. ومع ذلك، كانت مشاعرها تتقد كجمر تحت الرماد. تحاول أن تبدو هادئة، متماسكة، بينما في داخلها نارٌ تقول له: “اقترب… حتى ولو احترقنا معاً”. لم تستطع السيطرة على ارتجافها، ولا على الرغبة في أن تصدّق أن الحياة يمكن أن تعوّضها أخيراً. كانت تنظر إليه كطفلة تخشى أن تمدّ يدها إلى لعبة هشّة فتنكسر، لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع أن تدير ظهرها لذلك الضوء الذي بدأ يتسلّل إلى عتمتها.
أداء ماغي بو غصن وعمّار شلق في هذا المشهد لم يكن تمثيلاً، بل كان احتراقاً حقيقياً على الشاشة. كان شِعراً بصرياً يُكتب بالعيون لا بالكلمات. كان وجعاً مستتراً، لا يصرخ بل يهمس، لا ينهار بل يرتجف. عمّار شلق جعل مالك يبدو كمن يحمل جبلا على صدره. رجل ممزّق بين وفاء لا يريد أن يخونه، وقلب بدأ يخونه رغماً عنه.ماغي بو غصن حوّلت جود ارتباكاً يختصر عمرا من الالم بانتظار دواء ما أن ظهر حتى بدأ يغيب، وقلباً يخاف نار الحب بقدر ما يشتاق إلى دفئه. ذلك المشهد لم يكن عن خيانة سهلة ورغبة عابرة وحب مستحيل مكبّل بشعور بالذنب. ذلك المشهد الذي كان من اجمل واقوى مشاهد الحب التي رأيتها على الشاشة ، كان عن إنسانيةٍ هشّة، وقلوبٍ أنهكها الصبر حتى ظنّت أنها لم تعد قادرة على الحب، ثم فوجئت بأنها لا تزال حيّة. قلوب صمتت طويلا، ثم وجدت نفسها على حافة كلمة واحدة قد تغيّر كل شيء.
في بار أبو جورج، لم يهمس كاظم الساهر” قولي احبك كي تزيد وسامتي”. في بار أبو جورج لم يهمس أي من مالك وجود كلمة “أحبك”، لكنها كانت حاضرة في كل نفس متقطّع، في كل نظرة هاربة، في كل ارتباك جميل، وفي كل قلب خاف أن ينبض… ثم نبض، رغم كل شيء.
