صحة
انتحار المراهقين: ما الذي لا نراه في حياة اولادنا حسب ريكاردو كرم؟
جوزيفين حبشي
“إذا كنتُ موجوداً فالموت غير موجود، وإذا كان الموت موجوداً فأنا غير موجود. فلماذا أخاف مما لا يمكن أن يوجد إلا حين لا أكون موجوداً؟”
هذا النص للفيلسوف اليوناني Epicurus، لم يكن مجرد اقتباس فلسفي عابر على منصة رقمية، بل ظهر كـ”ستاتوس” على صفحة ماتياس حبيب على إنستغرام، قبل أن يُقدم الفتى اللبناني، البالغ من العمر 15 عاما، على الانتحار قبل يومين، بعد نشره مقطع فيديو على المنصة نفسها.
حادثة ماتياس لم تمرّ كخبر عابر. لقد هزّت المجتمع اللبناني بعمق، وأعادت طرح أسئلة مؤلمة حول ما يجري خلف واجهات الحياة الرقمية، وفي صمت المراهقة الذي لا يُرى بسهولة. والأكثر إيلاما أن هذه الحادثة لم تعد استثناءً، بل تبدو جزءا من نمط يتكرر بصمت مقلق بين المراهقين.
لم يعد الحديث عن انتحار الشباب يندرج ضمن “الحوادث الفردية”. نحن أمام ظاهرة تتوسع بهدوء، وتفرض نفسها كجرس إنذار اجتماعي ونفسي وتربوي في آنٍ معاً. إنّها علامة على أزمة أعمق من لحظة يأس عابرة. أزمة شعور بالوحدة، وبالانفصال، وبغياب الفهم الحقيقي داخل البيوت والمدارس والمجتمع.
في كثير من الحالات، لا يكمن الخطر في غياب الحب أو الرعاية، بل في غياب الإصغاء الحقيقي. فالمراهق قد يعيش في بيئة تبدو “مكتملة” من الخارج، عائلة حاضرة، تعليم، أصدقاء. ومع ذلك يشعر بأنه غير مرئي من الداخل، غير مفهوم، وغير قادر على التعبير عن هشاشته.
هنا تتضح مسؤولية مزدوجة: أن ننتبه مبكرا، وأن نغيّر طريقة تعاملنا مع أولادنا. فالقرب لا يُقاس بالحضور الجسدي وحده، بل بالقدرة على الإصغاء دون حكم، وعلى تحويل الحوار إلى مساحة آمنة لا خوف فيها من السخرية أو التقليل أو التجاهل.
إن المراهقين اليوم يعيشون في فضاء مفتوح على كمّ هائل من الأفكار والمحتوى، أحياناً من دون سياق أو تفسير أو نقاش. وهذا ما يجعلهم أكثر عرضة لتأويلات وتحليلات فردية قد تكون قاسية أو مضللة، خصوصاً حين تُترك هذه الأفكار لتتكوّن في عزلة تامة.
وعلى خلفية مأساة ماتياس ابن صديقه، كتب الإعلامي ريكاردو كرم شهادة مؤلمة، تحوّلت إلى صرخة توعية للأهل والمجتمع. يقول فيها:
“منذ وقوع هذه المأساة، لم أعد قادرا على النوم. كنتُ غارقا في الصدمة والغضبوالارتباك، غير قادر على الاستيعاب. وهذا بالضبط ما يدفعني للكتابة اليوم.
بالأمس، ذهبت لزيارة صديق. ليس لمواساته، إذ لا توجد مواساة في مثل هذه المآسي،بل لأن الحضور هو كل ما تبقى. أبٌ فقد ابنه البالغ من العمر 15 عاماً. لا توجد كلماتلوصف ذلك. لا شيء.
أجلسني إلى جانبه. تحدث. بكى. كرر نفسه. وأنا استمعت، أو حاولت على الأقل. لأنالحقيقة هي أنني كنتُ محطماً، مثل الجميع.
هذا الفتى لم يكن ينقصه شيء. لا شيء. عائلة محبة. أب وأم حاضران. إيمان. تعليم. أصدقاء. حياة قد يصفها الكثيرون بأنها مكتملة.
ومع ذلك… أنهى حياته بنفسه.
نطرح على أنفسنا السؤال: كيف؟
الأب يبحث عن إجابات. يتحدث عما كان ابنه يقرأه. تظهر أسماء: أبيقور، سيزيف،الفلسفة… أفكار عن الحياة والموت.
لنكن دقيقين: أبيقور لم يُعلّم الموت، بل حاول تحرير الإنسان من الخوف منه.
وكامو، من خلال سيزيف، لم يمجّد اليأس، بل شدّد على أنه حتى في مواجهة العبث،يجب أن نستمر في العيش.
لكن هنا يحدث الانكسار.
طفل في الخامسة عشرة لا يقرأ الفلسفة كما نقرأها نحن. لا يبني فهمه لها تدريجيا، ولايناقشها أو يتحداها، بل يلتقط أجزاءً منها: جملة، تفسير، اختصار. وأحياناً تصله عبرالشاشات، عبر ملخصات وخوارزميات، دون سياق، دون عمق، دون تناقض.
كمّ هائل من المحتوى… دون استيعاب كافٍ.
الأمر لا يتعلق بإلقاء اللوم على الفلسفة، ولا على التكنولوجيا، بل بشيء أصعب بكثير فيالاعتراف:
حتى عندما نعطي أبناءنا كل شيء، لا نرى دائما ما يحدث داخلهم.
نظن أن الحب يحمي. نظن أن الحضور كافٍ. نظن أن “لا شيء ينقص”. ومع ذلك، قديحدث الانكسار… بصمت.
هذه ليست خاتمة، بل تحذير.
تحدثوا مع أبنائكم.
ليس فقط عما يفعلونه،
بل عمّا يقرؤونه،
وما يشاهدونه،
وما يؤمنون به،
وما يستنتجونه عندما يكونون بمفردهم.
لأن الخطر ليس دائماً مرئياً،
ولا يأتي دائماً من النقص.
أحياناً يأتي من فكرة أُسيء فهمها، ولم تُناقش، وتُركت لتنمو في صمت“.
شهادة اشبه بجرس انذار، أكد من خلالها ريكاردو كرم أن المأساة لا يمكن تفسيرها فقط بغياب الحب أو الموارد، إذ إن الشاب كان يعيش ضمن بيئة تبدو مكتملة من الخارج، ومع ذلك وقع الانكسار. وشدّد على نقطة أساسية: أن الخطر لا يكمن فقط في الواقع المادي الذي يعيشه المراهق، بل في الأفكار التي يتلقاها دون سياق، والمعاني التي يكوّنها وحده، دون حوار أو تفكيك. فالمحتوى الرقمي والفلسفي، حين يُفهم بشكل مجتزأ، قد يتحول إلى عبء ثقيل على عقل في طور التشكّل. وفي ختام شهادته، وجّه نداءً مباشراً: أن نتحدث مع أبنائنا، لا فقط عن حياتهم اليومية، بل عن أفكارهم، قراءاتهم، وتأويلاتهم لما يرونه ويعيشونه، لأن الخطر الحقيقي ليس دائماً مرئياً، بل قد ينمو في صمت داخل الفهم الخاطئ.
شهادة الإعلامي ريكاردو كرم حول مأساة ماتياس، تفتح نافذة على عمق الأزمة، ازمة ما يحدث داخل عقول المراهقين حين تُترك وحيدة أمام أسئلة كبرى لا تجد من يحاورها أو يرافقها.
هذه ليست دعوة إلى البحث عن مُتهم، بقدر ما هي دعوة إلى مراجعة جماعية. فالمسؤولية لا تقع على فرد أو جهة واحدة، بل على شبكة كاملة من الأسرة، والمدرسة، والمجتمع، وحتى البيئة الرقمية التي باتت جزءا من تشكيل وعي المراهقين.
في النهاية، لا يحتاج الأولاد إلى الكمال، ولا إلى إجابات جاهزة، بل إلى حضور إنساني حقيقي: يُصغي، يفهم، ويمنح المعنى مساحة للنقاش بدل الصمت.
