فن ومشاهير
باسم مغنية: أداء فريد
جوزيفين حبشي
ليست كل الأدوار خُلقت لتُحب… بعضها خُلِق ليُصدمك، ليقرفك، ليكسر فيك وهم الأمان.
هناك شخصيات لا يجرؤ كثيرون حتى على الاقتراب منها، لأنها تمثل أقصى درجات الانحراف الإنساني: مرض، اختلال نفسي، قسوة، اعتداء على الطفولة، وعلى البراءة نفسها. تجسيد هذا النوع من الشر ليس أداء عادياً، بل غوص في قاع النفس البشرية، حيث لا ضوء ولا تبرير.
الممثل الحقيقي لا يرفض هذه الشخصيات، بل يقترب منها بحذر، يفهمها دون أن يبررها، ويتماهى معها دون أن يصبحها. وهذه هي المعادلة الأصعب: أن تُقنع المشاهد بصدقك، دون أن تفقد نفسك.
الممثل الحقيقي لا يختبئ خلف أخلاقه، ولا يجمّل القبح، ولا يخفف وطأة الجريمة ليكسب تعاطف الجمهور. بل يفعل العكس تماما: يواجهنا بها كما هي، عارية، صادمة، ومزعجة. لأنه يفهم أن الفن ليس دائماً مريحاً… أحياناً وظيفته أن يزعجك.
في عالمنا العربي، التحدي اكبر بكثير. لأن المجتمع لا يفصل دائماً بين الممثل والدور، بين الأداء والواقع، فيُحاسَب الممثل على ما جسّده. “العيب” و”الخوف من الحكم” قد يكونان أقوى من الجرأة الفنية، فيقتلانها قبل أن تولد. لذلك نرى كثيرين يبتعدون عن هذه الأدوار، ليس ضعفا في الموهبة، بل خوفاً من تبعاتها ، ولأن الثمن باهظ.
هنا تحديداً، يستحق باسم مغنية وقفة تقدير حقيقية لادائه شخصية “فريد” ، حيث لا مساحة للمناورة حولها ولا للتخفيف منها . شخصية بيدوفيلي ومغتصب قُدّمت بلا أي تلطيف، بلا أي محاولة لجعلها “مفهومة” أو أقل صدمة. لم يهرب من قسوة الدور، ولم يختبئ خلف أداء آمن، بل واجه أبشع ما فيه بجرأة كاملة. ترك الشخصية في بشاعتها الصافية، كما هي في الواقع، وهذا ما جعلها مزعجة إلى هذا الحد، ومقنعة إلى هذا الحد. ذهب باسم إلى أقصى القبح، متخليا عن صورته، وعن راحة الجمهور، وعن المنطقة الآمنة. باسم خلع ذاته على باب موقع التصوير، ودخل في أعماق شخصية مريضة وشاذة، بكل ما فيها من اضطراب ووحشية وانحطاط.
هذا النوع من الأداء لا يتطلب شجاعة فنية فقط، بل قوة نفسية وقدرة عالية على الفصل بين الإنسان والدور. أن تعود من هذا العمق المظلم دون أن يبتلعك، هو بحد ذاته إنجاز.
تحية تقدير لباسم مغنية الذي لم يقدّم دورا صعبا وحسب، بل تجرأ أن يضعنا وجها لوجه أمام حقيقة نفضّل دائما أن نهرب منها.

Screenshot

Screenshot
