Connect with us

ثقافة

سيدي الرئيس: اجعلوا من الدراما اللبنانية مشروع وطن

Published

on

جوزيفين حبشي

قبل سنوات قليلة، كنّا نكتب عن الدراما اللبنانية كما نكتب نعياً. كنّا شهودا على  الزمن الجميل والعصر الذهبي ، ولذلك كان الانهيار موجعاً أكثر. بلدٌ أنجب تلفزيون لبنان، أول محطة تلفزيونية في العالم العربي في الخمسينات، وصدّر في الستينات والسبعينات مسلسلاته إلى كل بيت عربي، وجد نفسه فجأة خارج المشهد، يتفرّج بدل أن يُشاهَد، ويستهلك بدل أن يُنتج. كنّا فاقدي الأمل. دراما بلا بنى تحتية، بلا رؤية، بلا قرار ، وطاقات هائلة من كتّاب ومخرجين وممثلين ومصوّرين، لكن بلا مظلّة تحميهم أو مشروع يجمعهم. ركضٌ وراء الاستسهال، أعمال “من قريبو”، نصوص تخاف الغوص في العمق، كلمات تُقال ولا تُعاش. كأننا كنّا نخجل من واقعنا بدل أن نحكيه، أو نخاف أن نراه في المرآة.

ولكن… اليوم لا نستطيع أن نقول إن الصورة  لا تزال كما كانت. قبل سنوات قليلة ، ورغم الانهيار الاقتصادي سنة  ٢٠١٩، بدأت الدراما اللبنانية تستعيد انفاسها.  برزت اعمال  لافتة  ، بعضها مشترك مثل  ثلاثية” للموت”، و”٢٠٢٠” و” ع أمل” وبعضها لبناني بحت مثل”ع اسمك” و “بكير” و”راحوا” .  في سنة 2025، خرق المسلسل  اللبناني البحت ” بالدم” ( انتاج ايغل فيلمز) المشهد العربي، تصدّر، وذكّر الجميع أن الممثل اللبناني حين يُعطى نصا حقيقيا  واخراجا مبدعا ، يعود رقماً صعباً. هذا العام، المسلسل  اللبناني “بالحرام” ( ايغل فيلمز)  يقتحم منطقة شائكة ومؤلمة: التحرّش واغتصاب الأطفال، بلا مواربة . بدوره المسلسل اللبناني  “المحافظة ١٥” ( مروى غروب)  يستعيد جرحا وطنيا مفتوحا، حكاية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية في عهد النظام المجرم السابق . هذه ليست صدفة. هذه بوادر نهضة. بعد سنوات من القحط، هناك من تجرّأ. من غاص في العمق بدل أن يطفو على السطح. هناك من كتب من لحمنا ودمنا، من وجعنا وذاكرتنا، من تناقضاتنا وطرافتنا وصلابتنا. لقد تبيّن أن مشكلتنا لم تكن يوماً في الموهبة، بل في القرار. في الجرأة. في الإيمان بأن قصتنا تستحق أن تُروى كما هي، لا كما يريدها الآخرون.

لذلك، اليوم اكتب لأن هناك فرصة فعلية، ولأن اللحظة مؤاتية كي تتحوّل البوادر إلى مشروع. اليوم اتوجه الى رئيس الجمهورية العماد  جوزف عون، وادعوه  ان يكون رئيس جمهورية الدراما اللبنانية.

سيدي الرئيس، كما يحتاج الاقتصاد إلى خطة، والسياسة إلى إصلاح، تحتاج الدراما إلى رعاية رسمية تعتبرها جزءاً من الأمن الثقافي للبنان. الدراما ليست ترفاً، هي صورة البلد في الخارج، ومرآته في الداخل. هي التي تحفظ الذاكرة حين تضيع، وتواجه النسيان حين يُفرض، وتمنح الشباب أملاً بأن هذا الوطن لا يزال قادراً  على الإنتاج والنجاح والابداع، لا على البكاء على الاطلال فقط.

Advertisement
Ad placeholder

سيدي الرئيس، لدينا مخزون اجتماعي وسياسي وثقافي لا يملكه شعب آخر بهذا التركيز والكثافة. لدينا قصص عن الحرب والسلم، عن الهجرة والبقاء، عن الفساد والمقاومة، عن الحب في زمن الانهيار، عن الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن، عن الاهل الذين يخافون هجرة اولادهم، او غرقهم  في مستنقع المخدرات هربا من احلام لم تتحقق،  وعن جيل يحاول أن يعيش رغم كل شيء. هذه ثروة وطنية لا تقل قيمة عن أي مورد طبيعي.

المطلوب اليوم ليس شعارات، بل خطوات: دعم إنتاج لبناني صرف، تحفيز صناديق تمويل، تشجيع منصات العرض على الاستثمار في النصوص المحلية، حماية الممثل اللبناني من التهميش، وإعادة الاعتبار لفكرة أن قصصنا قادرة على المنافسة عربيا وعالميا.لقد صام اللبناني طويلا عن درامته. واليوم بدأ يفطر منها من جديد، وحماسته تقول إن الطعم أصيل. نحن الذين عرفنا المجد، وعشنا الانكسار، نرى اليوم خيط الضوء. فلا تتركوه يخبو يا سيدي الرئيس. اجعلوا من هذه اللحظة بداية مسار، لا ومضة عابرة. لأن الدراما اللبنانية، حين تُعطى حقها، لا تطلب شفقة أحد، بل تفرض نفسها.

سيدي الرئيس  ،”مالنا ورسمالناثقافة وفن وحياة، فساهم في إنعاش درامتنا اللبنانية وإبقاءها طيبة. ساهم في جعل لبنان يعود، كما كان دائماً، بلد الحكاية الأجمل حين تُروى بصدق بِنَفَس فنانيها.

Continue Reading
Advertisement Ad placeholder
Advertisement Ad placeholder

التقويم

فبراير 2026
ن ث أرب خ ج س د
 1
2345678
9101112131415
16171819202122
232425262728  

الارشيف

© كافة الحقوق محقوظة 2023 | أخبار الشرق الأوسط - News Me | تصميم و تطوير TRIPLEA