ثقافة
فينوس خوري غاتا… الآلهة لا تموت
جوزيفين حبشي
لم تكن فينوس خوري غاتا اسما عابرا في سجلّ الولادات، كانت قدراً، وكأن الآلهة حين سمّتها، سلّمتها مفاتيح الحبّ والجمال، وقالت لها: اذهبي، وامنحي العالم ما يكفيه من الدهشة.
وُلدت في اجمل بقاع الارض، بشرّي، هناك حيث الأرز لا ينحني، وحيث الكلمات تتعلّم منذ الطفولة كيف تصير خلودا. وُلدت في الثالث والعشرين من كانون الأوّل 1937 , قرب عيد الميلاد، وكأنها جاءت هديّة للأدب والشعر، ونورا إضافيا مع شقيقتها مي منسّى، في آخر العام، ودفئاً بالكلمة حين يشتدّ البرد. ورحلت في الثامن والعشرين من كانون الثاني 2026، اليوم ذاته الذي سافر فيه أبي قبل خمس سنوات، فالتقى فقدانان في تاريخ واحد، وتداخل الحزن العام بالحزن الشخصي، واصبح اسم فينوس يسكن ذاكرتي لا ككاتبة فقط، بل كرفيقة صامتة في يوم أعرف وجعه جيّدا.
حين كبُرت، فينوس حببتني بالقراءة، فتعلمت منها أن للكلمة حرارة، وأن للنص روحا يمكن أن تُضيء في القلب. ولكن عندما كنت صغيرة، أبي هو من جعلني اعشق الرواية. أبي لم يكن كاتبا ، ولكنه كان الكتاب والقصة بحد ذاتهما. كان صوته هو الحبر الذي يكتبنا على صفحات الطفولة. يروي لنا قصص مغامراته الغريبة والعجيبة وهو طفل في دير الأحمر، الموصولة بنبض القلب مع بشرّي موطن فينوس. قصص تتشابك فيها المغامرة بالضحك، والخيال بالواقع، وكأن كل حكاية كانت جسراً بين طفولته وطفولتنا، وبين الأرض التي ولدت فيها الكلمة والروح.
ولد أبي في اغلى بقاع الارض، دير الاحمر، وولدت فينوس في اجمل بقاع الارض، بشرّي. هناك حيث الأرز لا ينحني، وحيث الكلمات تتعلّم منذ الطفولة كيف تصير خلودا. من أرض جبران خليل جبران خرجت، لا لتكون ظلا لأحد، بل لتضيف إلى الجبل صوتا آخر، أنثويّا، متمرّدا، شفافاً كالصلاة.
كانت جميلة قلبا وقالبا، جمالها لم يكن زينة وتاجاً وحسب، بل معرفة، وثقافة وروحا ترى ما لا يُرى. كتبت بالفرنسية، لكن حروفها كانت تمشي من الشرق إلى الغرب، لغةٌ أوروبية تتنفّس إيقاعا عربياً، وتُخفي تحت صرامتها حرارة الشرق، وحكمته، وصوره العميقة. حملت لبنان في لغتها الفرنسية، فصار النص عندها جسراً يصِل، وكتبت المنفى كما لو كان جرحاً يتكلّم، والذاكرة كما لو كانت وطناً بديلاً. في شعرها، الأمهات يبكين بصمت، والبيوت تتكلّم، والأرواح التائهة تبحث عن أسماء. وفي رواياتها، الألم يتحوّل أدبا، والفقد معنى.
أكثر من أربعين عملا بين شعرٍ ورواية، كانت فيها فينوس خوري غاتا شاهدة على القرن، وشاعرة للروح، ومرآة للإنسان. كرّمتها فرنسا كما يُكرَّم الكبار: جائزة غونكور للشعر، والجائزة الكبرى للشعر من الأكاديمية الفرنسية، لكن جائزتها الأصدق كانت تلك المساحة الدافئة التي تركتها في قلوب قرّائها.
رحلت منذ أيام، لكن فينوس لا ترحل. الآلهة لا تموت، هي فقط تغيّر مكانها. ربما عادت إلى بشري، لتنام بين الأرز، أو صعدت اعلى بقليل، لتكتب قصيدتها الأخيرة على الغيم.
سلامٌ لكِ يا ابنة الارزة اللبنانية والكلمة الفرنسية، التي جعلت، من الحب لغة، ومن الجمال موقفا، ومن الأدب وطناً نسكنه كلّما ضاق بنا العالم. سلام لك با ابنة بشرّي، واذا التقيت بابن دير الأحمر بين سنابل القمح واشجار التفاح، دعيه يروي لك قصصه الطريفة، وترجمي له اشعارك الحالمة، واضحكا كثيراً.
