Connect with us

فن ومشاهير

” محافطة ١٥” و”بالحرام” : الدراما اللبنانية تفتح الجروح والمحرمات

Published

on

جوزيفين حبشي

أمل حياتي؟  أن يأتي يوم تصبح فيه درامتنا اللبنانية ، لبنانية ١٠٠٪؜ ، وموسماً دائماً لا استثناءً عابراً، وأن ننتج أكثر من ١٥ مسلسلاً في السنة، لأنّه “حرام” , والله حرام أن تبقى درامتنا غائبة أو مُغيَّبة تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والحسابات السياسية. على هذا الامل، لفتني هذا الموسم عملان لبنانيان بامتياز: الاول “المحافظة ١٥” من انتاج مروى غروب ( مروان حداد) ، اخراج سمير حبشي، كتابة كارين رزقالله  وبطولتها مع يورغو شلهوب، نزيه يوسف، ميشال حوراني، حسن خليل، عدنان ابو الشامات ، ناديا شربا، بيو شيحان، انطوانيت عقيقي ولمى لوند. أما الثاني ” بالحرام” فمن انتاج ايغل فيلمز ( جمال سنان) واخراج فيليب اسمر وكتابة فادي حسين وشادي كيوان وبطولة ماغي بو غصن ، تقلا شمعون، رندة كعدي، عمار شلق، باسم مغنية، سينتيا كرم، طوني عيسى، كارول عبود، سارة ابي كنعان، طارق تميم، ايلي متري، السا زغيب وناديا شربل.

وجود هذين المسلسلين ليس تفصيلا  في مشهد درامي رمضاني مكتظ، بل بارقة في مشهد لبناني يكاد يفرغ. في بلد يملك طاقات تمثيلية وكتابية وإخراجية قادرة على المنافسة عربياً، يبدو من الظلم أن نظل نحتفل بعمل أو  عملين كأنهما إنجاز استثنائي. الطموح يجب أن يكون أكبر، والإنتاج أوسع، والحضور اللبناني أكثر كثافة وتأثيراً. في هذا السياق، يكتسب المسلسلان أهميتهما. ليس فقط لجرأة وقوة موضوعيهما، بل لأنهما يثبتان أن الدراما اللبنانية قادرة، حين تتوافر الإرادة، على اقتحام الملفات الحساسة بلا خوف.

“المحافظة ١٥” يفتح ملف المعتقلين في سجون النظام السوري الساقط، ويغوص في جرح لا يزال ينزف في الذاكرة اللبنانية. أما “بالحرام” فيذهب إلى سجنٍ  اسود آخر، بلا  قضبان وجدران، حيث يُستدرج المراهقون إلى شبكات الاستغلال والابتزاز، وتُخنق أرواحهم تحت تهديد الفضيحة. عملان مختلفان في الشكل والمضمون  والإيقاع والتنفيذ، متشابهان في الجرأة. عملان يذكّراننا بأن المشكلة ليست في غياب القصص، بل في غياب الإنتاج الكافي ليحملها إلى الشاشة. وإذا كان الأمل أن نصل يوماً إلى خمسة عشر مسلسلاً لبنانياً في السنة، فإن البداية تكون بأعمال تجرؤ، وتخاطر، وتفتح الجروح بدلا من تجميلها. أعمال شبيهة  بهذين العملين اللذين يقتحمان المحرّم، كلٌ بطريقته، ويضعان المشاهد أمام مرآة لا ترحم. بدوري سأقتحم عالمهما ، بنقد،  سيرحم، سيتفهّم، ولكنه لن يتغضى عن ما كان يمكن أن يكون افضل.

البداية مع “المحافظة 15” الذي يبدأ بخروج الأحياء من القبور. المسلسل يعالج جرحاً لا يزال مفتوحاً في الذاكرة اللبنانية والسورية: قضية المعتقلين في سجون النظام السوري الساقط، سنوات التعذيب، والعودة المستحيلة إلى حياة سُرقت منهم ثمانيةً وعشرين عاماً. مشاهد خروج المعتقلين، وأيديهم المشرئبة نحو الشمس والحرية من باب يشبه باب القبر، لم تكن مجرد افتتاحية درامية، بل صفعة وجدانية، لحظة ولادة ثانية، أو ربما قيامة ناقصة.

Advertisement
Ad placeholder

العمل انطلق انطلاقة نارية، مزلزلاً إنسانياً ووطنياً. قال ما لم يكن يُقال علناً: “ما عشناه كان احتلالاً سورياً لا تواجداً سورياً ” . وهذه الجرأة تحديدا تُحسب له. ما زال الموضوع حارقاً لقلوب لبنانيين ماتوا ألف موتة وهم ينتظرون أحبة غابوا ولم يعودوا.

أداء يورغو شلهوب تحديدا منح المسلسل هويته،  والشخصية عمقا وإنسانية . جسّد الوجع بلا مبالغة، وأوصل الانكسار بلا صراخ. لكن… في عمل يقوم على واقعية جارحة، التفاصيل ليست تفصيلاً. التفاصيل البصرية  هي شريك أساسي في صناعة المصداقية. كان يمكن للمظهر الخارجي لمعتقل لمدة ٢٨ سنة في قبر ،  أن يذهب أبعد في ترجمة أثر تلك السنوات: شعرٌ أطول و أشيب، لحيةٌ أكثر كثافة، أسنانٌ تحمل ندوب الزمن والضرب والتعذيب. الواقعية لا تُبنى بالشعارات الكبرى فقط، بل بالندوب الدقيقة، بالملامح التي تحمل أثر التجربة الجحيمية . ليست هذه ملاحظات شكلية بقدر ما هي عناصر تُعمّق الإحساس بأن الجسد نفسه خرج لتوّه من العتمة. هي تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها في أعمال من هذا النوع تتحول إلى أدوات إضافية لقول الحقيقة. ومع ذلك، تبقى قوة المشاهد الأولى وصدق الأداء كفيلين بحمل الفكرة الأساسية التي أرادها العمل.

على خط آخر، يسير المسلسل  حتى الان على خطين أساسيين: فؤاد ومنية وحبهما المستحيل من جهة، وخالد الشاب السوري الباحث عن عائلته في لبنان من جهة أخرى. خطان قويان ومؤثران نعم، لكنهما لا يكفيان لمسلسل يمتد ثلاثين حلقة. السؤال ليس تشكيكاً بقدر ما هو قلق مشروع: هل سنشهد حبكات فرعية   Subplots واضاءات  على قصص شخصيات تمنح العمل الزخم  نفسه حتى النهاية، أم سيبقى محصورا بمحوره الأساسي؟  هل سيكون لشخصيات الخالات وبنات الخالات دور ما؟ ماض ما؟ وجع ما؟ “المحافظة 15” عمل شجاع وجريء، ولكنه يحتاج أن يكون، بقدر شجاعته وجرأته، صارماً مع نفسه.

“المحافظة ١٥ ” يبدأ  بخروج الاحياء  من  القبر، أما “بالحرام” فيبدأ بدخول الاحياء الى القبر ويعالج وجعاً من نوع آخر. لا أقبية تعذيب هنا، ولا جلادين وسفّاحين بزي رسمي. بل استدراج مراهقين، خطف إراداتهم، اغتصاب أجسادهم وأرواحهم، وسجنهم وراء قضبان الذل والاستغلال والتهديد بالفضيحة. تصفية الضحية قد لا تكون تحت سوط جلاد كما في ” المحافظة ١٥” ، بل بحبل انتحار يلتف حول عنق لم يعد قادراً على رفع رأسه عالياً وشامخاً.

العمل بدأ بإيقاع بطيء ومتأنٍ ، فيه تطويل  وضبابية كادا أن يختبرا صبر جمهور  اعتاد، على مدى خمسة اعوام من نصوص الكاتبة ندين جابر مع شركة ايغل فيلمز  ( ثلاثية للموت وع امل و بالدم) ، على تفخيخ كل مفترق مشهد بمفاجآت مدوية وحوارات تُحفظ وتُردد. صحيح ان التمهّل  لثلاث حلقات ، قاتل  في موسم رمضاني مليء بمسلسلات تتنافس بضراوة  على من يأسر المشاهد اكثر ومن اول حلقة ، ولكن…  ولكن التمهل هنا لم يكن ضعفاً، بل تأسيساً. اراد المسلسل يبني أرضيته بهدوء، وان يقدّم شخصياته الغامضة، ويزرع بذور الأسئلة، قبل أن يفتح صندوق باندورا بكل ما يحتويه من اسرار  وشرور  ومصائب. انطلاقا من الحلقة الرابعة بدأنا  نرى حبكات فرعية متعددة، قضايا متشابكة، وشخصيات تخبئ طبقات فوق طبقات. كثافة الأحداث ليست ازدحاماً، بل ثراء يمنع الوقوع في فخ الدوران في فلك حبكة واحدة في مسلسل من ثلاثين حلقة. هنا، كل خط درامي يحمل وزنه وثقله وغموضه، وكل شخصية تمتلك ماضيها وهاجسها ومخاوفها.

Advertisement
Ad placeholder

الممثلون  من دون استثناء في أفضل حالاتهم. الأداءات تمنح الغموض صدقيته، والتشويق إيقاعه، والوجع صوته الخافت الذي لا يصرخ لكنه يعلق. لذلك يصبح السؤال ثناءً لا شكاً: هل ستكفي ثلاثون حلقة ليقول المسلسل كل ما لديه؟ أم أننا أمام عمل يفيض بما يتجاوز مدته؟

بين هذين المسلسلين، الجمهور عالق  بين  سجنين. في  “المحافظة 15” سجنٌ من حديد وجدران ودواليب بالانكو وصدمات كهرباء وجرذان . وفي “بالحرام” سجنٌ من  ترف وخوف وفضيحة وصمت. الأول يواجه ذاكرة سياسية ثقيلة، والثاني يفتح ملفاً اجتماعياً  خطيرا  ومسكوتاً عنه. كلاهما يغامر في منطقة ملغومة، وكلاهما يدفع الدراما اللبنانية خطوة إلى الأمام. لكن الجرأة وحدها لا تكفي. المصداقية، المناخ، الشخصيات الدسمة، البناء المتماسك والغني بالاحداث الجذابة وتوازن الإيقاع هي ما سيحسم بقاء هذين العملين في الذاكرة .

حتى الحلقة الثلاثين، سأبقى أسيرة هذين المسلسلين. ليس لأنهما كاملان، بل لأنهما يملكان مقومات كثيرة ويحاولان بجرأة نادرة ، معالجة وجعٍ حقيقي. وفي زمن الدراما السريعة الاستهلاك، يكفي أحياناً أن يجرؤ  عملان  على فتح الجرح بدل تجميل الندبة.

Continue Reading
Advertisement Ad placeholder
Advertisement Ad placeholder

التقويم

فبراير 2026
ن ث أرب خ ج س د
 1
2345678
9101112131415
16171819202122
232425262728  

الارشيف

© كافة الحقوق محقوظة 2023 | أخبار الشرق الأوسط - News Me | تصميم و تطوير TRIPLEA