فن ومشاهير
الدراما المعرّبة: الممثل اللبناني صوت، والخيال العربي مستورد
جوزيفين حبشي
لم يعد انتشار المسلسلات التركية المدبلجة أو المعرّبة على الشاشات اللبنانية والعربية مجرّد خيار برامجي، بل تحوّل إلى ظاهرة تفرض نفسها على حساب الدراما المحلية، وتكشف أزمة أعمق تتعلّق بالثقة، والقرار، وفهم معنى الإنتاج الثقافي.

Screenshot
في لبنان، اختارت بعض المحطات، مثل MTV، دبلجة المسلسلات التركية إلى اللهجة اللبنانية. خيار يبدو ظاهرياً وطنياً واقتصادياً وسريع المردود، لكنه فنياً كارثي. فالممثل اللبناني هنا لا يُمنح دوراً، بل يُختزل إلى صوت فقط. تُسجن قدراته التمثيلية خلف جسد وصورة ممثل آخر، ويُلغى حضوره البصري، التعبيري، والإنساني، وكأن التمثيل مجرّد نبرة وإيقاع كلام. وهنا يبرز السؤال البديهي الذي لا يُطرح علناً: كم تبلغ كلفة دبلجة مسلسل تركي إلى اللهجة اللبنانية؟ وهل هذه الكلفة، الممتدّة على مئات الحلقات، أقل من إنتاج مسلسل لبناني ( نصا واخراجا وتمثيلا) من 10 أو 15 حلقة؟ أليس أولى بهذا الاستثمار أن يُوجَّه إلى عمل لبناني قصير ومكثّف، يخلق فرص عمل حقيقية، ويمنح الممثل حضوره الكامل، ويعيد الاعتبار للكاتب والمخرج المحليين، بدل إنفاقه على دبلجة طويلة تُبقي الصورة أجنبية مهما تغيّرت اللهجة؟

Screenshot
أما في ما يخص الأعمال المعرّبة عن التركية، كما تقدّمها محطات كبرى مثل MBC، فالمشكلة أكثر عمقاً. نحن لا نتحدث عن اقتباس إبداعي، بل عن نص تركي مترجم، غالباً ترجمة حرفية، تُستبدل فيه الأسماء فقط، بينما تبقى العلاقات والبنية الدرامية غريبة عن البيئة العربية.ويزداد الأمر إشكالية حين يُسند إخراج هذه الأعمال إلى مخرج تركي، فتُدار النسخة العربية بعين غير عربية، وبحساسية ثقافية مستوردة، فيتحوّل العمل إلى نسخة هجينة لا تنتمي فعلياً إلى أي سياق.
السؤال الجوهري إذاً ليس تقنياً ولا مالياً، بل ثقافي بامتياز: لماذا هذا الإصرار على استيراد النص والرؤية معاً؟ ولماذا هذه القطيعة شبه الكاملة مع مخرجينا وكتّابنا الذين يتحوّلون مترجمين للنص التركي ليس أكثر، وكأن الثقة بهم مغامرة غير محسوبة؟ المفارقة أن هذه المحطات العربية تمتلك القدرة المالية والإنتاجية لصناعة دراما عربية قوية، لكنها تختار الطريق الأسهل: نجاح جاهز، مخاطرة أقل، وهوية مؤجَّلة.

Screenshot
الدراما ليست سلعة فقط. إنها فعل ثقافي وصورة مجتمع. وعندما تتحوّل الشاشات إلى منصّات لتعريب الخيال بدلاً من إنتاجه، لا نخسر أعمالاً محلية فحسب، بل نخسر ثقتنا بأنفسنا.
المشكلة ليست في المسلسل التركي، بل في القرار اللبناني والعربي. وفي ظل هذا القرار، سيبقى الممثل اللبناني صوتاً بلا جسد، والكاتب العربي مهمَّشاً، والمخرج خارج الصورة، فيما تُروى قصص بلغتنا، ولكنها ليست قصصنا.
