Connect with us

فن ومشاهير

بين عدلا وعليا

Published

on

جوزيفين حبشي


“شو جاب عليا لعدلا”؟ و “كيف قبلت سينتيا كرم بدور عليا الباهت  مقارنة بشخصية عدلا الاستثنائية في “بالدم”؟  
في كل مرة يقدّم فيها ممثل دوراً جديداً، يسارع بعض المشاهدين  والنقاد إلى مقارنته بدور  سبقه، وكأن الممثل محكوم بأن يعيد النسخة نفسها من أدائه الناجح. لكن هذه المقارنة غالباً ما تكشف سوء فهم عميق لطبيعة التمثيل نفسه.

Screenshot

بعد النجاح اللافت لشخصية عدلا في “بالدم”، بدا  أن بعض المتابعين أرادوا من الممثلة أن تبقى أسيرة ذلك النموذج: شخصية استثنائية، مشحونة، مليئة بالانفعالات والانعطافات الحادة. لكن الدراما لا تعمل بهذه الطريقة، والممثل الجيد ليس آلة لإعادة إنتاج الدور نفسه تحت أسماء مختلفة. فالتمثيل الجيد لا يعني دائما الأداء الصاخب أو الشخصية المركّبة أو الاستثنائية. أحيانا يكون التحدي الحقيقي هو تجسيد الإنسان العادي: الشخص الذي لا يصرخ كثيرا، ولا يعلن عواطفه بوضوح، ولا يحمل اضطرابات درامية لافتة. الحياة نفسها مليئة بهؤلاء. معظم البشر ليسوا عباقرة، ولا مجانين، ولا مهرجين، ولا شخصيات مأزومة إلى حدّ الانفجار الدائم. كثيرون يعيشون في منطقة هادئة من المشاعر، أو  يخفون انفعالاتهم خلف سلوك يومي بسيط.

الاختلاف بين شخصية كل من عليا وعدلا، ليس دليل ضعف، بل دليل وعي درامي. شخصية عليا، في جوهرها، ليست شخصية “بطولية” ولا مصممة لتستدرج تعاطفاً سهلاً. هي امرأة سُجنت ظلماً، وخرجت إلى عالم لم يعد يشبه ما تركته، ثم اتخذت خيارات أخلاقية ملتبسة، أبرزها خيانة صديقتها والدخول في علاقة عاطفية مع زوجها. هذه ليست شخصية تبحث عن إعجاب الجمهور، بل شخصية تتصرف من منطقة معقدة بين الجرح والرغبة والأنانية. هنا تحديداً  يقع الالتباس في بعض الانتقادات، فالمشكلة ليست في أن الأداء “غير مركّب”، بل في أن الشخصية نفسها ليست مكتوبة لتكون استعراضية. إنها شخصية تميل إلى الكتمان أكثر من الانفجار، إلى التبرير الداخلي أكثر من الاعتراف العلني. كثير من البشر في الحياة الواقعية يتخذون قرارات قاسية أو أنانية ببرود ظاهري، من دون مونولوغات طويلة أو انهيارات درامية.

Screenshot

التمثيل ليس دائماً عرضاً للابهار على الشاشة. أحيانا يكون التحدي الحقيقي هو  إبقاء التوتر تحت السطح. في هذه المنطقة الرمادية، تصبح الإيماءة الصغيرة، النظرة العابرة، أو النبرة الباردة أدوات درامية أكثر دقة من الصراخ أو الانفعال المفرط.

لذلك فإن النقد الذي يساوي بين “جودة الأداء” و“درجة التعقيد أو الصخب في الشخصية” هو نقد يختزل التمثيل في نوع واحد من الأدوار.

المفارقة أن بعض الجمهور يريد من الممثل أن يكون واقعياً، لكنه في الوقت نفسه يطالب من كل شخصية أن تكون استثنائية. بينما الحقيقة البسيطة هي أن معظم البشر ، حتى أولئك الذين يرتكبون أخطاء كبيرة أو خيانات مؤلمة ، يبدون في حياتهم اليومية عاديين جداً.

Advertisement
Ad placeholder

Screenshot

انطلاقا مما تقدّم، فإن مقارنة عليا بعدلا ليست فقط مقارنة غير عادلة، بل تكشف عن ميل شائع لدى جمهور الدراما العربية: الاحتفاء بالشخصيات المتفجرة، مقابل التقليل من قيمة الأداء الهادئ.

الممثل الحقيقي لا يثبت موهبته حين يعيد لعب الدور نفسه بإيقاع مختلف، بل عندما يملك الجرأة على الانتقال من شخصية استثنائية إلى شخصية رمادية، غير مريحة، وربما غير محبوبة. وهذه، في كثير من الأحيان، أصعب بكثير من لعب الأدوار التي صُممت أصلاً لتثير إعجاب الجمهور.

في النهاية، تبدو المقارنة بين عليا وعدلا مقارنة ظالمة في أساسها. فالشخصيتان تنتميان إلى عالمين دراميين مختلفين، وإلى منطقين نفسيين متباينين. الأولى شخصية صاخبة ، مؤثرة، دافئة واستثنائية بطبيعتها، والثانية شخصية رمادية، باردة، انتهازية، وربما غير محبوبة.

الأهم من ذلك أن  سينتيا كرم ليست عدلا، وليست عليا. هي ممثلة. والممثل الجيد لا يعيش داخل شخصية واحدة، بل ينتقل بين شخصيات متناقضة، ويعيد تركيب أدواته في كل مرة وفق منطق الشخصية وخلفيتها النفسية والدرامية. الممثل الحقيقي لا يبني أداءه على معايير النجاح والفشل، أو على حجم التصفيق والامتعاض. هو يبنيه على سؤال أبسط وأكثر مهنية: من هي هذه الشخصية؟ وكيف يمكن جعلها قابلة للتصديق؟ وعندما ينجح في ذلك، يكون قد أدى مهمته. أما الباقي، من مقارنات وتفضيلات وحنين إلى دور سابق ،فهو جزء من ذاكرة الجمهور، لا من معيار التمثيل نفسه.

Continue Reading
Advertisement Ad placeholder
Advertisement Ad placeholder

التقويم

مارس 2026
ن ث أرب خ ج س د
 1
2345678
9101112131415
16171819202122
23242526272829
3031  

الارشيف

© كافة الحقوق محقوظة 2023 | أخبار الشرق الأوسط - News Me | تصميم و تطوير TRIPLEA