Uncategorized
تعوا نرجع نسهر سوا… مع ماريلين نعمان بتلفزيون لبنان
جوزيفين حبشي
من هذه ؟؟؟ هل هي المطربة هدى حداد، أخت فيروز، بنبرتها التي تشبه صلاة الصباح ووقار الصوت الذي لا يشيخ؟ هل هي الممثلة والمذيعة نهى الخطيب سعادة، بهيبتها التلفزيونية وأناقة زمنٍ كانت فيه الشاشة مرآة للثقافة؟ لا… إنها ماريلين نعمان. ولا، هي ليست هنا لتؤدّي شخصية مذيعة من سبعينيات القرن الماضي، ولا لتستعير شكل تلك المرحلة على سبيل الحنين العابر. ماريلين تفعل ما هو أعمق وأصدق: تفتح شقّا في الزمن، وتعبر منه نحونا، معلنة عن أغنيتها الجديدة ” تعى نسهر سوا” كرسالة حب من العصر الذهبي للفن اللبناني. أغنية يبدو أنها وُلدت هناك، حيث كانت الأغنية حكاية، والصوت دفئاً، والرومانسية فعل حب.

Screenshot
في زمنٍ يتهافت فيه النجوم على ركوب الترند، ويغرق الفن في ضوضاء التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والمؤثرات الباردة، تختار ماريلين الطريق الأصعب والأجمل: طريق الروح. بذكائها المعهود، تطلق اغنيتها الجديدة “الريترو” من تلفزيون لبنان، هذا الرمز الوطني الذي يسكن الذاكرة الجماعية، وكأنها تقول إن هذا المكان لم يفقد روحه، وإن العصر الذهبي ليس ذكرى منسية بل إحساسا يمكن استعادته. في البرومو، نراها مذيعة من سبعينيات القرن الماضي، تقرأ نشرة الأخبار بوقار تلك الحقبة، ثم تتوقّف عند الفقرة الفنية، فيرتبك الزمن قليلا، ويتراجع الحاضر خطوة إلى الوراء، ليُفسح المجال لأغنية جديدة تولد من الحنين. هنا، لا شيء اعتباطيا: الديكور، الإكسسوارات، الأزياء، الشعر، الإضاءة… كل تفصيل مدروس بعين عاشقة تفهم أن السحر الحقيقي يسكن في التفاصيل الصغيرة.

Screenshot
بعدما سافرت بنا عبر الزمن مع اغنية “مش نفس الشي بلاك”، التي قدّمتها عبر فيديو كليب ريترو ساحر، تُصرّ ماريلين، مع مديرة اعمالها المخرجة لين طويلة، على إبقائنا في ذلك العصر الدافئ. زمن بلا صخب ولا ضجيج، بلا استعراض ولا ذكاء اصطناعي، بل مشاعر صافية، حقيقية، تشبه الناس وتخاطب القلب مباشرة. هذا ليس حنينا سطحيا ولا لعبة نوستالجيا، بل غوص عميق في الذاكرة الإنسانية. فهم دقيق لجمهورٍ متعَب من السرعة، مشتاق للرومانسية، وللفن الذي يُحَسّ قبل أن يُستهلك. ماريلين تعرف أن الذكاء الحقيقي لا يكمن في ملاحقة العصر، بل في معرفة متى نبتعد عنه لنراه بالقلب، لنسمعه بالروح. ماريلين نعمان ليست مجرّد صوت جميل، بل رؤية. فنانة أكبر من عمرها بعمقها ووعيها واختياراتها. تثبت في كل خطوة أن الفن ليس صدفة، وأن النجاح ليس ضجيجا، بل تراكم صدق وجرأة وتخطيط. ومع كل عمل، تهمس لنا بهدوء: حين يخرج الفن من القلب، لا يحتاج إلى ضجيج. يكفيه أن يكون حقيقيا.
يومان يفصلاننا عن الساعة السادسة من مساء ٢٦ كانون الثاني. وعندما تحين اللحظة، سنُطفئ ضجيج العالم، سنجلس كمن ينتظر موعدا مع الذاكرة، سنتسمّر أمام شاشة تلفزيون الوطن، لنستقبل ماريلين نعمان وهي تُعيد إلينا، بصوتها وأغنيتها الجديدة” تعى نسهر سوا” ، زمنا ظننّاه غائبا، فإذا به سيعود حيّا، دافئا، ونابضا على وتر الحنين.
