مرأة
في عيد ” فالنتاين” تحتفل النساء بعيد Galentine’s Day
جوزيفين حبشي
بينما يحتفل العالم اليوم بعيد الحب، ويتبادل العشّاق الورود والوعود، كان العالم بالأمس يحتفل من دون ضجيج كاف، بعيد لا يقل أهمية. عيد لطيف بخفة ظلّ أنثوية اسمه Galentine’s Day. إنه اليوم الذي يسبق الرابع عشر من شباط، ويُخصَّص للاحتفاء بالصداقة بين النساء، ليذكّرنا بأن الحب لا يسكن العلاقات الرومانسية وحدها، بل يتكئ في معظم الأحيان على كتف صديقة.

Screenshot
وُلدت فكرة هذا العيد عام 2010 من مشهدٍ طريف في المسلسل الأميركيParks and recreation ،حين قررت ليزلي نوب ( الممثلة إيمي بولر) أن تجعل من 13 شباط يوما لتدليل صديقاتها والاحتفال بهنّ على الفطور. كان الأمر في البداية نكتة تلفزيونية عابرة، لكنه سرعان ما تحوّل إلى تقليد عالمي تتبنّاه النساء كل عام، لأن الفكرة ببساطة لامست شيئاً حقيقياً في قلوبهن. ففي الوقت الذي ينشغل فيه العالم اليوم بقصص العشاق، كانت النساء بالأمس يجلسن حول طاولاتهن، يرفعن أكواب القهوة كأنها كؤوس نخبٍ غير معلن، ويحتفلن برابطة أعمق مما نظن. الصداقة بين النساء ليست مجرد لقاء عابر، بل مساحة نجاة. مساحة تُقال فيها الحقيقة كما هي، بلا تجميلٍ زائد ولا خوفٍ من سوء الفهم. اليوم الذي يسبق عيد الحب هو أكثر الأيام صدقاً في الحديث عن الحب. هنا تُفكك الخيبات، تُراجع الرسائل، تُحلل “شو كان قصده؟”، وتُمنح النصائح المجانية بثقة خبراء عاطفيين غير معتمدين. في جلسات “غالنتاين”، تتحوّل لقاءات الصديقات عيادات نفسية غير رسمية ، بنكهة ضحكٍ أعلى، وسكّرٍ أكثر ( كانديريل للمحافظة على الرشاقة) وأحمر شفاه لا يغادر كرجل رحل، مهما اشتدّت الاعترافات. واحدة تروي شكّها بأن زوجها يخونها، أخرى تفكك رسالة قصيرة كلمةً كلمة وكأنها جيمس بوند العاطفة، وثالثة تعلن (للمرة العاشرة هذا العام ) أنها اكتفت من الرجال. وبين دمعة وضحكة، تتوزع الأدوار: هذه محللة عاطفية، وتلك محامية دفاع، وأخرى خبيرة في شؤون “كان لازم يقدّرِك أكثر”، و” حاج تبكي، الله لا يرده، هو الخسران”، و”لابقله ابو مناخير طولا شبرين”. لكن خلف الطرافة، يحدث شيء عميق. يحدث الترميم. لأن المرأة حين تفضفض لصديقتها، لا تبحث فقط عن نصيحة أو حلّ، بل عن إحتواء، واعتراف بوجعها، عن يد تربّت على الكتف، وصوت يقول: “فاهمين عليكي”، و يؤكد أن قيمتها لا تقاس بمكالمة لم تأتِ أو وردة لم تصل.

Screenshot
نعم، الصداقة بين النساء ليست رفاهية اجتماعية، ولا مجرّد صورٍ جماعية بفلتر وردي وشفاه حمراء على انستغرام وفيسبوك. هي مساحة آمنة. مساحة تُقال فيها الجملة كاملة دون خوف من الحكم، وتُروى فيها الحكاية من أول دمعة حتى آخر مبالغة درامية. في جلسات “غالنتاين”، لا تُحلّ أزمات الحب بقدر ما يُعاد ترتيبها في القلب. الاولى تحكي عن خيبة، الثانية عن ارتباك، والثالثة تقسم أن هذه آخر مرة تقع في الحب . ثم نضحك جميعاً لأننا نعرف أن هذه الجملة تُقال كل عام تقريباً. ربما لهذا يبدو احتفال البارحة أهم من احتفال اليوم، فالحب الرومانسي قد يخذل، يتأخر، أو يمرّ بتحوّلات موجعة. أما الصداقة النسائية الصادقة، فهي غالباً ما تبقى. هي شبكة الأمان حين نسقط، والمرآة التي تعيد إلينا صورتنا الحقيقية حين تشوّهها خيبة.

Screenshot
بين الثالث عشر والرابع عشر من شباط، لا تنافس بين عيدين، بل تذكير بترتيب جميل: قبل أن نحتفل بأن نكون نصف علاقة، نحتفل بأننا كاملات معاً.الورود قد تذبل، لكن صديقة تعرف قصتنا من بدايتها ، ووجعنا من اوله ، وضحكتنا من اساسها، نادرا ما تغادر. هي التي تحفظ نسختنا الأولى، قبل أن يغيّرنا الحب أو تكسرنا التجارب. هي شاهدة ارتباكنا الأول، ورسائلنا الطويلة، ودموعنا التي أقسمنا أنها الأخيرة. هي الذاكرة التي لا تخوننا، والكتف الذي لا يملّ، والصوت الذي يعيدنا إلى أنفسنا حين نضيع.

Screenshot
الصداقة بين النساء ليست هامشا في حكاية الحياة، بل صلبها الدافئ. هي تحالف سري ضد القسوة، وضد الخيبات، وضد تلك اللحظات التي نشكّ فيها بقيمتنا. مع الصديقات، نسمح لأنفسنا أن نكون ضعيفات وقويات في آنٍ معاً. أن نبكي بلا خجل، ونضحك بلا حساب، وننهض كل مرة لأن هناك من تذكّرنا بأننا نستحق أكثر. الصداقة النسائية تشبه شبكة أمان غير مرئية. قد نتعثر في حبّ لا يكتمل، أو علاقة تستنزفنا، أو انتظار يطول… لكننا ننهض غالباً لأن هناك دائرة من النساء تذكّرنا بمن نكون خارج تلك القصة. يذكرننا أننا كافيات، جميلات، وقادرات على البدء من جديد. وربما لهذا السبب يبدو Galentine’s Day أكثر من مجرّد تقليد طريف ، بل إعلان غير مباشر أن الحبّ ليس حكراً على الثنائيات. أن التضامن، والمساندة، والإنصات، أشكال راقية من الحب أيضاً.وأن جلسة ضحكٍ صاخبٍ مع صديقاتك قد تشفي ما لا تشفيه باقة ورد.

Screenshot
في النهاية، قد يأتي الرابع عشر من شباط حاملاً وعودا رومانسية، أو قد يمرّ عادياً. لكن الثالث عشر يترك دائماً أثراً دافئاً: أثر نساء جلسن معاً، شاركن ضعفهن وقوتهن، وخرجن أقوى قليلاً وأخفّ وجعاً كثيراً.
إلى كل امرأة لديها شبكة امان تدعى صديقات، ارسلوا لها هذا النص كهدية في عيد Galentine’s Day ، وإن بتأخير يوم واحد، لا يهم فالصداقة كل الايام ايامها.
أما أنا، فسأرسلها بدوري الى صديقاتي اللواتي شاركنني الطريق بكل ما فيه من تعثراتٍ ودهشة، و جعلنه طريقا مبللاً بالضحك والدموع معاً، إن للحظة أو لعمر بأكمله. عيد صداقة سعيد لي ولكنَّ. احبكن.

Screenshot
