ثقافة
“يونان” في لبنان
جوزيفين حبشي
اخيرا،” يونان” في لبنان. اخيرا، وبعد مشاركات في اكثر من 25 مهرجاناً دولياً حول العالم، وضمن المسابقات الرسمية ،( مهرجان برلين السينمائي الدولي و مهرجان البحر الاحمر السينمائي الدولي،ومهرجان هونغ كونغ السينمائي الدولي ضمن المسابقة العالمية، ومهرجانات ساو باولو والجونة وروتردام وسيدني وغيرها، وانتصارات وجوائز عديدة وخصوصا وتحديدا لنجمنا اللبناني جورج خباز عن ادائه الاستثنائي، فيلم ” يونان” للمخرج وكاتب السيناريو امير فخر الدين، ابتداء من الغد، 8 كانون الثاني/ يناير 2026 في صالات متروبوليس في بيروت.

Screenshot
وبمناسبة بدء عروضه في لبنان، اعيد نشر مقالة صدرت لي بالتزامن مع مشاركته في مهرجان البحر الاحمر السينمائي الدولي ( من 4 ديسمبر إلى 13 ديسمبر 2025)، ضمن المسابقة الرسمية، وفوزه لاحقا بجائزة أفضل مخرج لامير فخر الدين، وأفصل ممثل لجورج خباز.
“ستُنسى وكأنك لم تكن”… لكن بعض الافلام السينمائية ترفض أن تمرّ مروراً عابراً، فهيتولد لتقاوم النسيان، ولتبقى معلّقة في الذاكرة مثل مكان لا نصل إليه، لكننا لا نتوقفعن العودة إليه. فيلم “يونان” للمخرج والكاتب السوري الشاب أمير فخر الدين ومنبطولة نجمنل اللبناني جورج خباز، هو واحد من تلك الافلام.
ليلة ٧ ديسمبر شهدت افتتاح اولى عروضه العربية في مهرجان البحر الاحمرالسينمائي الدولي. افتتاح كان بمثابة لحظة خاصة، ليس للفيلم وحده، بل للسينما العربية التي تثبت مرة بعد مرة أنها قادرة على منافسة أكبر المدارس السينمائية في العالم. وعلى السجادة الحمراء لمهرجان البحر الاحمر، سار جورج خباز في خطوات مفعمة بالحماسة، انستنا خطواته المتثاقلة على جزيرة نائية في ألمانيا، حيث قصدتها شخصيته ككاتب عربي يعاني الوحدة والغربة وضيق تنفّس ، فيقرر الانتحار.

Screenshot
الفيلم واداء جورج خباز لا يُشاهدان فقط، بل يُعاشان، يُختَبَران ويتركان في القلب أثراً لا يمحى. فيلم امير فخر الدين واداء جورج خباز يمرّان ببطء على الروح ، يتركان فيها خدشاً جميلاً، يجرّانا إلى أعماقنا، ويذكّرانا بأن الغربة ليست جغرافيا وليست فيالمكان، بل في تلك الزوايا الداخلية التي نحملها معنا مهما ابتعدنا، ولا يراها أحد غيرنا. يشبه كل من فيلم “يونان” واداء جورج خباز لوحة تشكيلية تتحرّك ببطء، وتتنفّس، وتُسلّم نفسها لمتفرّج يعرف كيف ينصت. لوحة تحمل ملامح كاتب وحيد داخليا وخارجيا، يضعها أمير فخر الدين أمام المشاهد ثم يتراجع، تاركاً لكلّ واحد أن يملأها بمعانيه، بتراكماته، بتصدعاته الداخلية ، باسئلته الوجودية ، بوجعه الخاص. لا يشرح الفيلم شيئاً، لكنه يقول الكثير. لا يتكلّم بل يترك الصورة تتكلّم، والصمت يتّسع ليصبح لغة كاملة. لا يرفع صوته، لكنه يوقظ أسئلة لا تنام. مشهد أغنية “حوّل يا غنّام” وحده يكفي ليختصر الرحلة كلها: اكتشاف الغربة، والبحث عن مكان لم نفارقه يوماً لأنهي عيش فينا. تُرى لو كان لذلك الغنّام فم وكان يستطيع الكلام، ماذا كان ليقول؟ أن الذاكرة التي نحملها معنا أينما ذهبنا ستنادينا: لن تهربوا مما يسكنكم، فالوطن ليسم كاناً نغادره، بل روحاً ترافقنا أينما نكون؟

Screenshot
“يونان” فيلم خاص جداً واستثنائي جداً . إنه مرآة. رحلة. همس طويل يمتد بعد المشاهدة. أما اداء جورج خباز بدور البطولة ، فشبيه بلبنان حين يطلّ على المهرجانات،لا يشارك فقط بل يحضر بقوّة، يتقدّم، ينقش لنفسه مكاناً بين الكبار. وجوده في الفيلم ليس أداءً تمثيلياً وحسب، بل حضور إنساني كثيف، يلتقط هشاشة الإنسان وقوّته في آن واحد. أدّى جورج خلاز دوره بعمق نادر، بتلك البساطة التي لا يصل إليها إلا المتمرّسون، وبذلك الصدق الذي يجعل من الشخصية لحماً ودمعاً ونبضاً. وهذا اعتراف عالمي بقدرة ممثل لبناني على أن يحمل قصة معقّدة، وأن يعبر بها حدود اللغة والمكان، ليصل إلى وجدان جمهور متنوّع لا يجمعه سوى فهم واحد: الصدق فنّ، والإنسانية لغة عالمية. لقد قدّم جورج خباز في “يونان” واحداً من أهم أدواره على الإطلاق. كما ابتلع الحوت يونان، ابتلع جورج الشخصبة والفيلم بتجسيده دور إنسان مكسور وقوي في الوقت نفسه، رجل يحمل غربته مثل ظلّ، ويواجه صمته كما لو كان شريكاً له في الرحلة. إنه أداء لا يستند فقط إلى الموهبة، بل إلى حسّ إنساني عميق يجعل الشخصية حيّة حتى بعد انتهاء الفيلم.
الفيلم اليوم في لبنان، وبفخر نقول أن لبنان، الذي يمرّ منذ سنوات في العتمة، لا يزال يقدّم في السينما ما يضيء. وجورج خبّاز هو واحد من تلك الشعل التي لا تنطفئ. موهبة تحمل اسم بلدها معها، وتبرهن في كل محطة أن الإبداع الحقيقي لا يحتاج إلى صخب أو ادّعاء، بل إلى فنان يعرف كيف يكون مرآة لجروحه، ولجروح الناس.
يونان ابتداء من الغد في لبنان…. ليس كفيلم عابر على شاشة، بل كحدث يستحق أن يُحتضن. كفرصة نادرة لنقف، نحن اللبنانيين، إلى جانب عمل يشبهنا في وجعه، في صمته، في معاني غربته، وفي قدرته على تحويل الهشاشة إلى جمال.
دعم “يونان” ليس مجرّد حضور إلى صالة سينما، بل موقف إلى جانب سينما تحترم عقلنا، وإلى جانب مخرج عربي يكتب بلغته الخاصة، وإلى جانب ممثل لبناني أثبت، بالأداء لا بالشعارات، أن النجومية الحقيقية تُصنع من الصدق.
جورج خبّاز في “يونان” لا يمثّل لبنان فقط، بل يقدّم دليلاً حيّاً على أن هذا البلد، رغم كل ما مرّ به، لا يزال قادراً على إنجاب فنّانين يلامسون العالم من دون أن يفقدوا جذورهم.
حين ندخل لمشاهدة “يونان”، نحن لا نشاهد فيلماً فحسب، نحن نقول إننا نؤمن بأن الفن الذي يصل إلى برلين، وهونغ كونغ، وجدّة والعالم، ويعود إلينا محمّلاً بالجوائز والاعتراف، يستحق أن يجد جمهوره هنا أولاً. نقول إن الموهبة اللبنانية لا يجب أن نُصفّق لها في الخارج فقط، بل أن ندعمها في بيتها.
“يونان” يُعرض ابتداء من الغد في صالات متروبوليس في بيروت. فلنكن هناك

Screenshot
