فن ومشاهير
بين الأرقام الكبيرة والغياب الاكبر: أين الدراما اللبنانية؟
جوزيفين حبشي
حين يعلن المنتج اللبناني صادق الصباح أن ميزانية مسلسل مشترك مثل “بخمس أرواح” تجاوزت 3.5 مليون دولار، وأن المسلسل السوري “مولانا” تخطى 4.5 مليون دولار، وأن مجموع إنتاجات شركة الصباح هذا العام بلغ نحو 45 مليون دولار، لا يمكن إلا التوقف أمام هذه الأرقام بإعجاب. هذه الارقام دليل واضح على حجم صناعة تنافس بقوة عربياً، وعلى دور أساسي يلعبه المنتج اللبناني في هذا المشهد.
لكن، في مقابل هذا النجاح، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: أين الدراما اللبنانية الخالصة من كل هذه الميزانيات؟ لا أحد ينكر أن شركات الانتاج تعمل ضمن منطق السوق، وغالباً ما تنتج أو تشارك في إنتاج أعمال تُعرض على منصات كبرى مثل MBC وشاهد ونتفليكس وغيرها. هذه الأعمال، بطبيعتها، تحتاج إلى نجوم عرب، وتركيبة تضمن الانتشار والربح. هذا مفهوم. لكن هل يعني ذلك أن الدراما اللبنانية يجب أن تختفي أو تُهمَّش؟
لبنان لا يعاني بتاتاً نقصاً في الطاقات الفنية والابداعية. هناك كتّاب قادرون على تقديم نصوص رائعة، ومخرجون يمتلكون رؤية حديثة، وممثلون استثنائيون لديهم حضور وكاريزما وموهبة وقدرة على ابهارنا في كل ظهور لهم على الشاشة الصغيرة. ما ينقص هو القرار: قرار إعطاء فرصة حقيقية لاعمال لبنانية بحتة، بهويتها الكاملة، من دون محاولة تكييفها لتصبح “مشتركة “. وهذا ما بدأت به شركة “ايغل فيلمز” مشكورة.
سمعنا كثيرا ان السوق لا يحتمل، وإن المخاطرة عالية. لكن، هل يُعقل أن تُرصد عشرات الملايين لإنتاجات عربية، ولا يُخصص مبلغ بسيط، نصف مليون دولار مثلاً، لإنتاج مسلسل لبناني من 10 حلقات ،ليس أكثر ؟ مبلغ كهذا يُعتبر نقطة في بحر ما يُصرف، لكنه قد يكون كافياً لإطلاق مشروع نوعي يعيد الثقة بالدراما المحلية.
المسألة هنا ليست فقط حسابات ربح وخسارة، بل مسألة رؤية وإيمان. الدراما ليست مجرد منتج تجاري، بل هي أيضاً تعبير عن الهوية والثقافة. من هنا، يمكن القول إن عودة الدراما اللبنانية لا تقع فقط على عاتق الجمهور أو السوق، بل هي أيضاً مسؤولية المنتج اللبناني نفسه. ليس من باب الواجب الوطني بالمعنى الضيق، بل من باب الاستثمار في صناعة محلية قادرة، على المدى الطويل، أن تكون حجر أساس حقيقي للنجاح العربي. وخير دليل ما أقدم عليه المنتج اللبناني جمال سنان مع مسلسلي “بالدم” و”بالحرام”، حيث استطاع إقناع مؤسسات إنتاجية ضخمة مثل MBC و”شاهد” بمنح الثقة لمسلسل لبناني ونجوم لبنانيين. وماذا كانت النتيجة؟ مبهرة مع نجاح هذين العملين في المنافسة والتصدُّر عربيا .
إذا كانت شركات الإنتاج اللبنانية قد نجحت في إدارة ميزانيات بملايين الدولارات، وعقد شراكات مع منصات كبرى، فإن السؤال يصبح أكثر مشروعية: لماذا لا تُخصّص هذه الشركات جزءاً بسيطاً جداً من أرباحها السنوية لإنتاج عمل لبناني خالص؟ ليس كمغامرة غير محسوبة، بل كمشروع مدروس بميزانية معتدلة، لا تتجاوز نصف مليون دولار، يُنتج خارج ضغط السباق الرمضاني، ويُبنى على نص قوي ورؤية إخراجية واضحة. هذا النوع من المشاريع لا يُفترض أن ينافس الأعمال العربية الكبرى في الحجم، بل في النوعية. وهو، في الوقت نفسه، يشكّل منصة للنجوم اللبنانيين، ومختبراً حقيقياً لاكتشاف المواهب الجديدة وتطويرها، وخلق محتوى قابل للتصدير لاحقاً. أي أنه ليس عبئاً مالياً، بل استثمار ذكي منخفض المخاطر، قد يفتح أسواقاً جديدة .
نعلم ان دعم الدراما والفنون من مسؤولية الدولة، ولكن لطالما كان الشعب اللبناني هو الدولة وهو الداعم الحقيقي في ظل الظروف الصعبة التي لا يزال يرزح تحتها لبنان. لذلك نطالب شركات الانتاج اللبنانية القادرة على دعم هكذا مبادرات، ان لا تقف مكتوفة الايدي . نطالبها ان تتحول هذه المبادرات إلى نهج ثابت، تقوم فيه شركاتنا الوطنية بدعم مشاريع محلية من تمويلها الخاص، كجزء من استراتيجيتها، لا كاستثناء.
الأرقام الكبيرة تثير الإعجاب، نعم. لكن ما ينقص هو ذلك المشروع الصغير، ذلك القرار الصغير، الجريء، الذي يعيد للدراما اللبنانية مكانها الطبيعي. لا على الهامش، بل في قلب الحكاية.
