فن ومشاهير
“يونان” ابتلعه الحوت وجورج خباز
جوزيفين حبشي
“ستُنسى وكأنك لم تكن”… لكن بعض الافلام السينمائية ترفض أن تمرّ مروراً عابراً، فهي تولد لتقاوم النسيان، ولتبقى معلّقة في الذاكرة مثل مكانٍ لا نصل إليه، لكننا لا نتوقف عن العودة إليه. فيلم “يونان” للمخرج والكاتب السوري الشاب أمير فخر الدين ومن بطولة النجم اللبناني جورج خباز، هو واحد من تلك الافلام.

Screenshot
ليلة ٧ ديسمبر شهدت افتتاح اولى عروضه العربية في مهرجان البحر الاحمر السينمائي الدولي. افتتاح كان بمثابة لحظة خاصة، ليس للفيلم وحده، بل للسينما العربية التي تثبت مرة بعد مرة أنها قادرة على منافسة أكبر المدارس السينمائية في العالم. وعلى السجادة الحمراء لمهرجان البحر الاحمر، سار جورج خباز في خطوات مفعمة بالحماسة، انستنا خطواته المتثاقلة على جزيرة نائية في ألمانيا، حيث قصدتها شخصيته ككاتب عربي يعاني الوحدة والغربة وضيق تنفّس ، فيقرر الانتحار.

Screenshot
الفيلم واداء جورج خباز لا يُشاهدان فقط، بل يُعاشان، يُختَبَران ويتركان في القلب أثراً لا يمحى. فيلم امير فخر الدين واداء جورج خباز يمرّان ببطء على الروح ، يتركان فيها خدشاً جميلاً، يجرّانا إلى أعماقنا، ويذكّرانا بأن الغربة ليست جغرافيا وليست في المكان، بل في تلك الزوايا الداخلية التي نحملها معنا مهما ابتعدنا، ولا يراها أحد غيرنا. يشبه كل من فيلم “يونان” واداء جورج خباز لوحة تشكيلية تتحرّك ببطء، وتتنفّس، وتُسلّم نفسها لمتفرّج يعرف كيف ينصت. لوحة تحمل ملامح كاتب وحيد داخليا وخارجيا، يضعها أمير فخر الدين أمام المشاهد ثم يتراجع، تاركاً لكلّ واحد أن يملأها بمعانيه، بتراكماته، بتصدعاته الداخلية ، باسئلته الوجودية ، بوجعه الخاص. لا يشرح الفيلم شيئاً، لكنه يقول الكثير. لا يتكلّم بل يترك الصورة تتكلّم، والصمت يتّسع ليصبح لغة كاملة. لا يرفع صوته، لكنه يوقظ أسئلة لا تنام. مشهد أغنية “حوّل يا غنّام” وحده يكفي ليختصر الرحلة كلها: اكتشاف الغربة، والبحث عن مكان لم نفارقه يوماً لأنه يعيش فينا. تُرى لو كان لذلك الغنّام فم وكان يستطيع الكلام، ماذا كان ليقول؟ أن الذاكرة التي نحملها معنا أينما ذهبنا ستنادينا: لن تهربوا مما يسكنكم، فالوطن ليس مكاناً نغادره، بل روحاً ترافقنا أينما نكون؟

Screenshot
“يونان” فيلم خاص جداً واستثنائي جداً . إنه مرآة. رحلة. همس طويل يمتد بعد المشاهدة. ووجوده اليوم في جدة، يؤكد أن السينما حين تكون صادقة، لا تعرف حدوداً ولا لغات، بل تصل مباشرة إلى حيث يجب أن تصل: إلى القلب.
فيلم ” يونان” يشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان البحر الاحمر السينمائي الدولي، وبانتظار اعلان الفائزين والجوائز ليل ١١ ديسمبر الجاري، نتمنى له الحظ ، خصوصا أنه سبق أن شارك في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي، وحصد عدة جوائز دولية، وكان لخبّاز ثلاث منها كأفضل ممثل رئيسي. خباز، تماما مثلما يفعل لبنان حين يطلّ على المهرجانات، لا يشارك فقط بل يحضر بقوّة، يتقدّم، ينقش لنفسه مكاناً بين الكبار. وجوده في الفيلم ليس أداءً تمثيلياً وحسب، بل حضور إنساني كثيف، يلتقط هشاشة الإنسان وقوّته في آن واحد. أدّى دوره بعمق نادر، بتلك البساطة التي لا يصل إليها إلا المتمرّسون، وبذلك الصدق الذي يجعل من الشخصية لحماً ودمعاً ونبضاً. وهذا اعتراف عالمي بقدرة ممثل لبناني على أن يحمل قصة معقّدة، وأن يعبر بها حدود اللغة والمكان، ليصل إلى وجدان جمهور متنوّع لا يجمعه سوى فهم واحد: الصدق فنّ، والإنسانية لغة عالمية. لقد قدّم جورج خباز في “يونان” واحداً من أهم أدواره على الإطلاق. لقد ابتلع الشخصبة والفيلم بتجسيده دور إنسان مكسور وقوي في الوقت نفسه، رجل يحمل غربته مثل ظلّ، ويواجه صمته كما لو كان شريكاً له في الرحلة. إنه أداء لا يستند فقط إلى الموهبة، بل إلى حسّ إنساني عميق يجعل الشخصية حيّة حتى بعد انتهاء الفيلم.

Screenshot
بفخر نقول أن لبنان، الذي يمرّ منذ سنوات في العتمة، لا يزال يقدّم في السينما ما يضيء. وجورج خبّاز هو واحد من تلك الشعل التي لا تنطفئ. موهبة تحمل اسم بلدها معها، وتبرهن في كل محطة أن الإبداع الحقيقي لا يحتاج إلى صخب أو ادّعاء، بل إلى فنان يعرف كيف يكون مرآة لجروحه، ولجروح الناس.

Screenshot
