فن ومشاهير
“بآمن فيك”… نعم إنها مسألة إيمان. والايمان بديع.
جوزيفين حبشي
اليوم صباحاً، استيقظت كالعادة في الفترة الأخيرة على صوت طائرة استطلاع MK تشقّ السماء والاذان. لم أستعجل النهوض. بقيت لدقائق أحدّق في السقف، كأنني أحاول أن أرتّب ما تبقّى من هدوء داخلي قبل أن يبدأ قلق النهار. كان هناك شيء ثقيل، وشيء صامت في الوقت نفسه.
مددت يدي نحو الهاتف. جولة سريعة على مواقع التواصل قبل القهوة. لا شيء جديد فعلاً… نفس الأخبار، نفس الوجوه، نفس التعب. ثم، بين كل هذا، ظهر رابط لأغنية الممثل بديع أبو شقرا: “بآمن فيك”. تفاجأت، فأنا لم اسمع الاغنية بعد رغم انها صدرت قبل عدة ايام.

Screenshot
ضغطت على الرابط، ومنذ اللحظة الأولى، شعرت أنني لا أشاهد واسمع فقط… بل أُسحَب إلى الداخل. كأن العمل لا يبدأ على الشاشة، بل في مكان ما داخلي أنا. الصورة بلا ألوان، ابيض واسود ، ولكنها ليست باردة. فيها شيء دافئ مثل ذكرى لا تريد أن تختفي. المشاهد تمرّ كأنها ومضات من حياة أعرفها: تفاصيل صغيرة، وجوه عادية، حركات بلا ادّعاء، شيء لا يُقال بشكل مباشر، لكن كل شيء مفهوم. كأن الكليب يترك لي مساحة لاضع قصتي الخاصة داخله…بدون مقدمات، وجدت نفسي أسمعها وكأنها موجّهة إليّ: بآمن فيك… “مع كل اللي إنتَ فيه”…اووووف. توقّفت قليلاً. ليس لأن الجملة كبيرة، بل لأنها بسيطة أكثر مما يجب. بسيطة لدرجة أنها تصيب. “مع كل اللي إنتَ فيه…”؟ حتى الأشياء التي نحاول أن نخفيها؟ حتى التعب الذي لا نعرف كيف نسمّيه؟

Screenshot
الموسيقى تمشي على خيط رفيع . ترافق الحالة كأنها ظلّها. لا تقود المشهد، بل تتنفس معه. وهذا ما يجعل التجربة أقرب إلى رحلة داخلية منها إلى أغنية تقليدية. وفي مكان ما داخل هذه الرحلة الداخلية ، يتسرّب إحساس مألوف… إحساس يشبه تلك اللحظات التي لا نعود فيها نبحث عن انتصار كامل، بقدر ما نحاول فقط أن نحافظ على ما تبقّى بيننا. هناك شيء في الخلفية يشبه اعترافاً بسيطاً وقاسياً في آن: “بآمن فيك… مع كل وجع مخبّيه”. كأن الفكرة تقول، من دون أن تعلن ذلك صراحة، إن الخسارة الحقيقية ليست في ما يدور حولنا، بل في ما قد نخسره من بعضنا. ومن هنا، يلامس العمل شيئاً عميقاً في الحالة اللبنانية اليوم، من دون أن يرفع شعارات أو يقدّم خطاباً مباشراً. لا يقول لك ماذا تفعل، بل يضعك أمام نفسك… أمام هشاشتك، وأمام تلك اللحظة التي قد يراك فيها الجميع ضعيفاً، بينما صوت آخر يصرّ: “لو كلّن شافوك ضعيف، أنا بعرف إنك راجع.بآمن فيك… مع كل وجع مخبّيه”.
لا أعرف إن كان بديع يغنّي لشخص، أم لحالة، أم لبلد كامل، لكنني أعرف أنني، في تلك اللحظة، كنت أسمعها لنفسي. صوته لا يحاول أن يقنعني. لا يرفع صوته، لا يستعرض، لا يشرح. كأنه يعرف مسبقاً أن كل شيء واضح… “بعرف لأنّو قلبك ما في منّو… وهيدا اللي علّقني فيك”. وهنا، تحديداً، شعرت ان العمل لا يقدّم لي نسخة مصقولة من الشعور، بل يتركه كما هو… ناقص، متردد، وصادق زيادة عن اللزوم.

Screenshot
وبديع، في هذا العمل تحديداً، يبدو كما هو فعلاً: فنان حر، لا يحب القوالب الجاهزة، ويفضّل أن يذهب إلى المساحات التي تشبهه. هنا تحديداً، يقترب العمل من روح الموسيقى “الـ Underground” ، كخيار واعٍ بالابتعاد عن اللمعان السهل والقوالب التجارية، والاقتراب أكثر من الصدق الخام، من التجربة كما هي، بلا تزيين. إيمانه بما ينتمي إليه لا يُقال بالشعارات، بل يُعاش بتفاصيل صغيرة، بنبرة صوت، بلقطة، بحركة جسد. هو لا يفصل بين ما يشعر به وما يقدّمه، لذلك نراه ينتقل بين التمثيل، والرقص، والغناء كأنها لغة واحدة. ليس لأنه يسعى إلى الاحتراف في كل هذه المجالات، بل لأنه ببساطة لا يعرف أن يعبّر إلا بهذه الطريقة… عندما يشعر، يقدّم، وعندما يحسّ، يتحوّل الإحساس إلى فعل فني. ومع تقدّم الكليب، يصبح الإحساس وعداً صغيراً، غير معلن: “بعرف إنّا فترة… وحياتك جايي بكرا”. ليس تفاؤلاً ساذجاً، بل شيء أهدأ…”وبكرا رح يعطيك كل شي بيليق فيك”.
عندما انتهى الكليب، لم يبق في ذهني مشهد محدد ولا جملة بعينها، بل إحساس خفيف… يشبه أن تخرج من حديث صادق مع نفسك. لا شيء تغيّر فعلياً، لكنك صرت ترى الأمور بطريقة مختلفة قليلاً. أو ربما، ببساطة، لأن هناك صوتاً ما زال يرافقك في الداخل… يكرّر بهدوء: “بآمن فيك”. الايمان شيء بديع ، هو القصة كلها . وهذه المرة، لم تبدُ كجملة في أغنية، بل كأنها الشيء الوحيد الذي يمكن التمسّك به. وهذا، بحد ذاته، يكفي.

Screenshot
بآمن فيك:
الكلمات والإشراف الموسيقي : كفاح زين الدين، ألحان :شادن حمزة، توزيع :ضياء حمزة ، إخراج: سارة لؤي أبو الجبين، الميكس والماسترينغ : سليمان فهد ، تسجيل استوديو سيمون تراباي، إنتاج شركة Mise en Scène وتوزيع Ziya Music Label.
