Connect with us

اقتصاد

إبستين: لعبة القوى الكبرى

Published

on

بقلم إبراهيم عمران

تعد جرائم جيفري إبستين، بما تحمله من تفاصيل صادمة حول شبكة استغلال جنسي للأطفال والمراهقين، واحدة من أضخم الفضائح التي كشفت عن تباين صارخ بين الخطاب الغربي الرسمي وبين ممارساته الفعلية. لم يكن إبستين مجرد رجل أعمال فاسد أو شخص عابر في التاريخ الحديث، بل كان رمزًا لنظام معقد يتشابك فيه المال والسلطة والسياسة، ويستغل فيه النفوذ لتغطية أعمق الجرائم. لكن الأكثر إثارة هو أن هذا الحدث لم يكشف فقط عن جرائم شخصية، بل عن ازدواجية المعايير في السياسة الدولية، وكيف يمكن أن تُستخدم حقوق الإنسان كأداة للضغط على خصوم سياسيين، بينما يتم تجاهل أو التستر على الفساد المستشري داخل الأنظمة الغربية نفسها.
في عالم تتحكم فيه القوى الكبرى، لطالما كانت القيم الإنسانية، التي يدعي الغرب الدفاع عنها، واحدة من أداة الدبلوماسية الدولية الرئيسية. فغالبًا ما يُستخدم خطاب حقوق الإنسان في السياسة الخارجية كوسيلة ضغط على الدول التي تُتهم بارتكاب انتهاكات، وخاصة في الشرق الأوسط وآسيا. ومع ذلك، جاء كشف فضائح إبستين ليُظهر كيف يمكن أن تتحول قضايا حقوق الإنسان إلى أداة خادعة في صراعات القوى الدولية. فضيحة كهذه، التي كانت تُعتبر على مر السنين قضية فردية، أصبحت الآن بمثابة تحدي هائل للخطاب الغربي الذي طالما اعتُبر حاميًا للقيم.
المؤسف أن فضيحة إبستين تبرهن على أن العدالة لا تطبق بالتساوي بين الدول الكبرى والضعيفة، وبين الحلفاء والخصوم السياسيين. هذا الاختلال في الموازين ليس مجرد مشكلة أخلاقية، بل هو عنصر محوري في السياسة الدولية. الغرب، في سعيه المستمر للهيمنة على الساحة العالمية، يتلاعب أحيانًا بالحقوق الأساسية لإسقاط خصومه أو لتحجيم قوتهم، في حين أنه في الواقع نفسه هو حاضن للعديد من الجرائم المنهجية التي تهدد الحقوق الإنسانية بشكل يومي.
ومن هنا، يظهر أن المسؤولية عن هذا التناقض تقع على كاهل الأنظمة السياسية والإعلامية التي تروج لهذا الخطاب المزدوج. ففي الوقت الذي تُستخدَم فيه حقوق الإنسان كأداة ضغط دبلوماسي ضد دول نجد أن أكثر الجرائم فسادًا وتدميرًا للحقوق الإنسانية تُرتكب تحت أنوف هذه الأنظمة نفسها. أكثر من ذلك، تُتَبع طرق محاسبة مرنة عند الحديث عن الانتهاكات الكبرى داخل الغرب نفسه، حيث يتم استخدام القوانين نفسها لحماية من يديرون تلك المنظومات الفاسدة.
ما فعله إبستين، إذًا، هو أنه فتح نوافذ جديدة من الشكوك في مصداقية النظام الدولي الذي يروج له الغرب. هذه الفضيحة ليست مجرد كشف عن تورط أفراد، بل هي إعادة تعريف لكيفية إدارة السياسة الدولية في عصر يُستخدم فيه كل شيء، بما في ذلك حقوق الإنسان نفسها، لأغراض النفوذ والسيطرة. هل كانت حقوق الإنسان حقيقية؟ أم كانت فقط أداة من أدوات الهيمنة؟
كما أن هذه القضية تضع التحديات أمام الدبلوماسية العربية بشكل خاص. على الرغم من أن العرب قد دفعوا الثمن الأغلى في مواجهة “خطاب حقوق الإنسان” الغربي، إلا أن هذه الفضيحة تُظهر مفهومًا جديدًا للعلاقات الدولية، حيث لم تعد الحقوق الإنسانية حكراً على طرف واحد. فالعالم الذي يرفع شعار العدالة يجب أن يتعامل مع جميع الدول على قدم المساواة، دون تمييز بين الدول الكبرى والدول الصغيرة. وإذا كان الغرب يسعى لفرض المعايير الأخلاقية على الآخرين، فمن الأجدر به أن يبدأ بتطبيقها على نفسه، وألا يتحول إلى مصدِّر للعدالة فيما هو يتهرب منها داخليًا.
الأهم من ذلك، أن قضية إبستين تشكّل دعوة للتحرر من التبعية الفكرية، و التحليل النقدي للطروحات السياسية الغربية التي تجعل من حقوق الإنسان سلعة قابلة للبيع في سوق المصالح الدولية. إذا كانت المبادئ الإنسانية تُمَارس كما يفعل إبستين — حيث تُستخدم لغسل أيدي القوى الكبرى من مسؤولياتها — فإن النظام الدولي في حاجة ملحة لإعادة بناء هياكله القانونية والسياسية بشكل يجعل العدالة والقيم المعترف بها عالميًا أدوات حقيقية للمساءلة، لا مجرد شعارات.
في نهاية المطاف، يظهر أن فضائح إبستين ليست مجرد فضيحة أخلاقية أو جنائية، بل هي تحوّل في فهم العلاقات الدولية، حيث تتجلى الازدواجية والانتقائية في تعامل القوى الكبرى مع حقوق الإنسان. من هذه الزاوية، تُعد هذه الفضيحة فرصة ذهبية للأمة العربية لتطوير خطاب سياسي مستقل قادر على الضغط من أجل حقوق الإنسان في العالم بأسره، دون أن يكون مجرد أداة في يد القوى الكبرى.

 

Continue Reading
Advertisement Ad placeholder
Advertisement Ad placeholder

التقويم

فبراير 2026
ن ث أرب خ ج س د
 1
2345678
9101112131415
16171819202122
232425262728  

الارشيف

© كافة الحقوق محقوظة 2023 | أخبار الشرق الأوسط - News Me | تصميم و تطوير TRIPLEA