منوعات
بعبدا تحتفي بالنبيذ اللبناني… و «Chemin du Vin» يكتب أوّل فصوله من قلب المحطة التاريخية
اختتمت النسخة الأولى من «Chemin du Vin» في محطة قطار بعبدا التاريخية وسط حضور كبير وأجواء احتفالية لافتة، مؤكدة أن النبيذ اللبناني قادر على أن يكون مساحة تجمع الناس حول الأرض والثقافة والتراث والفن، وأن الأماكن التي تختزن ذاكرة لبنان لا تزال قادرة على استقبال الحياة وصناعة مناسبات جديدة.
على مدى يومين، شهدت المحطة حركة استثنائية، بعدما اجتمع فيها عدد كبير من صانعي النبيذ اللبنانيين والمنتجين والضيوف والزوار، إلى جانب شخصيات رسمية وثقافية وسياحية وإعلامية، في حدث أطلقته مهرجانات بعبدا الدولية برئاسة نادين نعمة، ليضع النبيذ اللبناني في قلب تجربة تتجاوز التذوق إلى الاحتفال بالأرض والإنسان والهوية.
وقد تولت الإعلامية ريتا منصور افتتاح الحفل وتقديمه، في لقاء استعاد رمزية محطة بعبدا كواحدة من الأماكن التي تختزن ذاكرة لبنان، وأكَّد أن إعادة إحياء التراث لا تعني العودة إلى الماضي فقط، بل تحويله إلى مساحة جديدة للقاء والحوار والثقافة والحياة.

ومن بعبدا، أكدت نادين نعمة أن «Chemin du Vin» وُلد من إيمان بأن التراث اللبناني يمكن أن يكون نقطة انطلاق نحو المستقبل. فمحطة القطار التي كانت يوماً شرياناً يصل اللبنانيين بمناطقهم ومحيطهم، تحولت في هذه المناسبة إلى مساحة جديدة تلتقي فيها الثقافة والسياحة والإنتاج اللبناني، في محاولة لإعادة وصل الإنسان بالمكان ومنح الذاكرة دوراً جديداً في الحاضر.
وحملت المناسبة رسالة واضحة إلى قطاع النبيذ اللبناني، الذي حضر بمصانعه ومنتجيه ومنتجاته من مختلف المناطق. وأكدت رئيسة الاتحاد اللبناني للكرمة والنبيذ ميشلين توما أن الاحتفال بالنبيذ هو احتفال بالأرض والمزارع والمنتج والعائلات التي حافظت على هذه المهنة، معتبرة أن كلّ زجاجة تحمل خلفها قصة عمل طويلة تبدأ من الأرض ولا تنتهي عند المستهلك.
وأشارت توما إلى أن إقامة مهرجان للنبيذ في بعبدا للمرة الأولى تشكّل فرصة للتعريف أكثر بتنوع النبيذ اللبناني ومنتجيه، وتعزيز حضور القطاع ضمن المشهد السياحي في لبنان، خصوصاً في ظل التحديات التي يواجهها المنتجون، من ارتفاع كلفة الإنتاج إلى صعوبة التصدير والمنافسة في الأسواق.
وفي هذا السياق، برزت أهمية المستهلك اللبناني والمغترب في دعم القطاع، من خلال اختيار المنتج اللبناني والتعريف به، بما يساهم في دعم المزارعين والمنتجين والعاملين والعائلات التي تعتمد على هذا القطاع.
أما المدير العام لمصلحة سكك الحديد والنقل المشترك زياد شيا، فأكد استعداد المصلحة لفتح المواقع التابعة لها أمام نشاطات تعيد إليها الحياة وتحتفي بالإنتاج اللبناني، مشيراً إلى الجهود المبذولة لإعادة القطار إلى السكة، ولا سيما على خط الشمال وطرابلس ومرفأ طرابلس.
وحملت كلمة ممثل وزير الزراعة الدكتور نزار هاني والمدير العام للزراعة المهندس ميشال لحود، السيد فادي غانم، بعداً اقتصادياً وزراعياً للمناسبة، إذ أكَّد أن النبيذ اللبناني يبدأ من الأرض، وأن جودته ترتبط بكل مراحل العمل الزراعي والتصنيع، من اختيار الكرمة وإدارة الأرض وصولاً إلى التخمير والتعتيق والتعبئة والتسويق.
وأشار غانم إلى أن تنوع التربة والارتفاعات والمناخات في لبنان يشكل إحدى نقاط قوة النبيذ اللبناني، داعياً إلى الاستثمار في الجودة والهوية وحماية المنشأ والتتبع والبحث العلمي، بما يسمح للمنتج اللبناني بتعزيز حضوره في الأسواق العالمية.
كما لفت إلى أن قطاع النبيذ لا يقتصر على المصانع، بل يشكل سلسلة اقتصادية متكاملة تضمّ المزارعين والعمال والمهندسين والخبراء والنقل والتسويق والمطاعم والفنادق والسياحة الريفية، وبالتالي فإن دعم النبيذ اللبناني يعني دعم منظومة اقتصادية واسعة تحافظ على الأرض وعلى الإنسان وعلى الإنتاج.
ومن هنا اكتسب اختيار محطة بعبدا رمزية خاصة. فالمكان الذي كان يوماً نقطة عبور للبنانيين، أصبحَ اليوم نقطة عبور للمنتج اللبناني نحو جمهور جديد، في رسالة تختصرها فكرة أنَّ القطار قد يكون توقّف، لكن حركة لبنان نحو العالم لا يجب أن تتوقف.
ولم يكن «Chemin du Vin» حدثاً مخصصاً للنبيذ فقط، بل تجربة لبنانية متكاملة، شاركت فيها مصانع النبيذ والمنتجات والمأكولات اللبنانية، وسط أجواء موسيقية وفنية رافقت اليومين. وفي الليلة الأولى، أحيا التينور جوني عواد السهرة، تلاهDJ Rony ، بينما شهدت الليلة الثانية مشاركة الفنان روني رفول، تلاهDJ Rony ، فأضفت الموسيقى والحضور على المحطة التاريخية أجواء احتفالية خاصة.
كما شكّلت مشاركة المنتجين والشركاء والداعمين والجهات الرسمية والإعلامية والمتطوعين عنصراً أساسياً في نجاح الحدث، الذي أعادَتقديم محطة بعبدا بصورة مختلفة، وحوّلها من موقع يحمل ذاكرة الماضي إلى مساحة تستقبل الحاضر وتفتح الباب أمام مبادرات جديدة.
وخلال المناسبة، استُذكرت أيضاً مسيرة الراحل أكرم نقولا قساطلي، أحد كبار مؤسسي ومنتجي قطاع النبيذ اللبناني، في تحية وفاء لمن ساهموا في ترسيخ هذا القطاع وبناء قصته على مدى السنوات.

ومع نهاية اليومين، بدا واضحاً أن «Chemin du Vin» لم يكن مجرد موعد للاحتفال بالنبيذ، بل محاولة لصياغة علاقة جديدة بين لبنان وأمكنته، وبين المنتج وأرضه، وبين التراث والحاضر.
من محطة بعبدا، حيث كانت السكة تختصر المسافات، بدأت رحلة جديدة تحمل النبيذ اللبناني من الأرض إلى الناس، ومن الناس إلى العالم.
وكانت البداية… من بعبدا.
