Connect with us

ثقافة

خوفنا هو …”الوحش”

Published

on

جوزيفين حبشي

هناك عروض مسرحية نشاهدها، نستمتع بها، ثم نمضي وكأن شيئاً لم يكن. وهناك عروض أخرى نعيشها، ويتوقف الزمن بعدها قليلاً، مثل مسرحية “الوحش” للمخرج جاك مارون، عن نص لجون باتريك شانلي، ترجمته إلى العربية أرزة خضر، ومع الوحشين الرهيبين على الخشبة: كارول عبود ودوري السمراني. وكيف لا يتوقف الزمن، وهو يستمع إلى اعتراف مؤلم يهمس في أذن كل من حمل يوماً آثار جروح وخاف أن يراها الآخرون؟

لم أشاهد “الوحش” في عروضها الأولى، فأنا أحب دائماً مشاهدة المسرحيات في لياليها الأخيرة، لأن العمل يكون قد نضج. في تلك الليلة الأخيرة يتحرر المسرح من رهبة الامتحان، ويتصالح الممثل مع الشخصية حتى لا يعود يؤديها، بل يعيشها، يتنفسها، ويتألمها. يصبح الخوف أقل، والصدق أكثر. وكأن كل ليلة سبقتها كانت طريقاً إلى هذه اللحظة الوحيدة، حيث يمنح الممثل كل ما تبقى لديه، فلا يدخر إحساساً، ولا يحمي جرحاً.

Screenshot

في “الوحش” لا تتحرك الحكاية بالأحداث، بل بالكلمات. كلمات تُلقى كيفما اتفق، قبل أن نكتشف أنها كانت تصيب هدفها بدقة. تبدو في البداية عابرة، سطحية، لكنها تخفي تحتها عمقاً مؤلماً، لتتحول تدريجياً إلى مشرط طبيب يشق الذاكرة ويكشف الطبقات التي أخفاها الألم سنوات طويلة. ما يبدو في البداية مجرد حديث عابر بين رجل وامرأة غريبين في بار، يتحول شيئاً فشيئاً إلى دفاع عن النفس، ثم إلى اعتراف، ثم إلى بداية مصالحة مع الذات. وما يبدأ كمواجهة، ينتهي كأمل خافت بالنجاة.

داني يخشى أنه أصبح وحشاً بسبب العنف الذي عاشه وارتكبه، وبرتا تخشى أنها لن تستطيع أبداً التخلص من وصمة علاقة محرمة فُرضت عليها وهي طفلة. لذلك لا يجمعهما الحب الرومانسي بالمعنى التقليدي، بل الاعتراف. يجرؤ كل منهما على كشف أكثر جزء مخجل أو مؤلم في حياته أمام الآخر، منتظراً الرفض أو الاشمئزاز، لكن ما يجده هو الإصغاء. يجد شخصاً يرى الجرح، من دون أن يختزل الإنسان فيه.

Screenshot

ولم يكن النص وحده من يكشف الجراح، بل الجسد أيضاً. هنا بلغت كارول عبود ودوري السمراني تلك المنطقة النادرة التي يتوقف فيها التمثيل ويبدأ الوجود. لم أشاهد ممثلين يؤديان شخصيتين، بل رأيت روحين تتعثران تحت ثقل ماضيهما، وتتعلمان ببطء كيف تمشيان نحو الضوء.

كانت كارول عبود تبدّل انفعالاتها كما لو أنها تعبر فصول عمر كامل. تنكسر من دون أن تنهار، وتقسو من دون أن تفقد هشاشتها، حتى بدا الصمت على وجهها أبلغ من أي جملة. أما دوري السمراني، فحمل عنف الشخصية كمن يحمل عبئاً لا يفارقه، ثم أخذ يخلع طبقاته واحدة تلو الأخرى، ليكشف في العمق عن طفل أنهكه الخذلان. بينهما خيط خفي لا تصنعه التقنيات ولا البروفات، بل الثقة الكاملة بين ممثلين يعرف كل منهما كيف يصغي إلى الآخر قبل أن ينطق. لذلك لم تكن المشاهد تُؤدّى، بل كانت تُعاش، ولم يكن الجمهور يشاهد أحداثاً ويسمع حواراً، بل يصغي إلى قلبين يتعلمان، للمرة الأولى، لغة الرحمة.

Advertisement
Ad placeholder

Screenshot

لكن أكثر اللحظات التي أربكتني لم تكن صرخة أو مواجهة، بل اعترافاً يكاد يمر همساً. يقول داني، الماتشو والعنيف، إنه كان يحلم أن يكون عروساً بفستان أبيض. جملة قد تبدو صادمة في ظاهرها، لكنها من أكثر لحظات النص إنسانية. فهو لا يقول إنه أراد أن يكون امرأة، بل يكشف أنه كان يتمنى أن يكون الإنسان الذي يُحَب ويُحتضَن، لا الإنسان الذي يُقاتل. طوال حياته تعلّم أن الرجولة تعني العنف والصلابة والقدرة على إيذاء الآخرين أو تحمل الإيذاء. أما صورة العروس، فهي ليست إعلاناً عن هوية أخرى، بل رمز للبراءة، ولأن يكون الإنسان هو من يُختار ويُحتفى به ويُحتضن، لا من يُطلب منه أن يكون “الوحش”.

هنا تكتب المسرحية واحدة من أجمل لحظات انهيار الذكورة التقليدية. داني، الذي يبدو عنيفاً وخشناً، يعترف برغبة تبدو محرمة في ثقافته، فيهدم القناع الذي ارتداه طوال حياته. يقول، من دون أن يقولها مباشرة: كنت أتمنى أن أكون الشخص الذي يُحَب، لا الشخص الذي يُخاف منه. والمدهش في هذه اللحظة أنها تعيد تعريف الوحش، فهو لا يسقط حين يعترف بخطاياه، بل حين يعترف بأحلامه. ببساطة، لأن الحلم أكثر تعرية للحقيقة من الاعتراف بالخطيئة.

Screenshot


أكثر ما يدهش في هذا العمل أنه لا يمنح المتفرج رفاهية إصدار الأحكام. المسرحية تطرح سؤالاً بالغ القسوة: هل يحق للإنسان الذي يحمل جرحاً لا ذنب له فيه، أو الذي ارتكب أخطاء تحت وطأة ماضٍ عنيف، أن يبدأ حياة جديدة؟ لا تبرر المسرحية ما حدث، ولا تمحو آثاره، لكنها ترفض أن تحصر شخصياتها في أسوأ ما مرّت به. إنها تعيد النظر في معنى البراءة والخطيئة، وتذكرنا بأن الإنسان أكبر من أكثر لحظاته ظلمة.

قد يكون هذا هو انتصار المسرحية الحقيقي. لم تحاول أن تصنع عرضاً صاخباً، رغم ضوضاء الطبقة السطحية لشخصيتي برتا وداني. لقد خلقت وسط الضجيج مساحة للصمت، وتركت النص يتنفس، وتركت للممثلين أن يملأوا الفراغ بما لا تستطيع الكلمات قوله. فكانت الخشبة، في كثير من اللحظات، تبدو وكأنها تنصت إلى وجعهما، لا إلى حوارهما.

Screenshot

انتهى العرض…خرجت من “الوحش” وأنا أكثر اقتناعاً بأن المسرح العظيم لا يغيّر العالم لأنه يقدم أجوبة، بل لأنه يجعلنا نطرح أسئلة جديدة عن أنفسنا. وربما لهذا اكتسبت العبارة التي رددتها في نهاية العرض وزناً أكبر: “كلنا نستحق فرصة ثانية للسعادة.كلنا، من أكثرنا براءة الى أكثرنا جراحا و أثقالا. فالمسرحية لا تعدنا بزوال الجراح، ولا باختفاء الندوب، لكنها تذكّرنا بأن الإنسان أكبر من أكثر لحظاته ظلمة، وأن الاعتراف، حين يقابله الإصغاء، قد يكون بداية حياة جديدة. وربما لهذا لم يكن الوحش، في النهاية، سوى ذلك الخوف الذي أقنعنا طويلاً أننا لا نستحق أن نُحَب. وحين نجرؤ على مواجهته، نكتشف أنه لم يكن يبحث إلا عن قليل من الرحمة

Continue Reading
Advertisement Ad placeholder
Advertisement Ad placeholder

التقويم

يوليو 2026
ن ث أرب خ ج س د
 12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
2728293031  

الارشيف

© كافة الحقوق محقوظة 2023 | أخبار الشرق الأوسط - News Me | تصميم و تطوير TRIPLEA