فن ومشاهير
من أنور السادات إلى جوزف عون … الفن يستحق قراراً
جوزيفين حبشي
أحياناً، لا يحتاج رئيس دولة إلى تقرير طويل أو لجنة تحقيق أو ملف سميك ليغيّر قراراً قد يمس حياة الآلاف. يكفيه خبرٌ صغير في صحيفة… وخفقة قلب.
هذا ما خطر في بالي وأنا أقرأ قصة الرئيس الراحل أنور السادات، وكيف هزّته مأساة الفنان عبد المنعم إسماعيل، ذلك الممثل الكبير الذي عرفه الناس في مئات الأفلام، ثم عرف الوحدة والبطالة والنسيان ، حتى انتهى به اليأس إلى الانتحار بعدما رمى نفسه في النيل. لم يمرّ الخبر عند السادات كأي خبر، بل تحوّل إلى قرار. قرارٌ يقول إن الفنان الذي أفنى عمره في إسعاد الناس لا يجوز أن تترك أسرته لمصيرها بعد رحيله، ولا أن يصبح الإبداع طريقاً إلى الفقر. انتحار عبد المنعم اسماعيل كان سبباً في اتخاذ الرئيس الساداة قراراً إنسانياً يقضي بمنح معاشات استثنائية لأسر الفنانين الذين يرحلون تاركين خلفهم عائلات بلا سند. ثم قرأت كيف غضب السادات عندما علم أن الروتين عطّل وصول المعاش إلى أسرة فنان اخر هو إسماعيل ياسين، فاعتذر بنفسه لأرملته، وأصرّ على أن يصل الحق إلى أصحابه.
توقفت طويلًا عند مغزى القصة، لا عند تفاصيلها. لأن قيمة الدول لا تُقاس فقط بما تبنيه من مؤسسات، بل أيضاً بما تحفظه من كرامة الذين صنعوا وجدانها. حين تشعر الدولة بأن الفنان ليس ترفاً، بل جزءاً من ذاكرتها وهويتها، فإنها تحمي صورتها بقدر ما تحمي أبناءها.
وأنا أقرأ تلك القصة، وجدتُ نفسي أفكر في وجوه فنانينا الذين كبروا قبل أوانهم، لا لأن العمر مضى، بل لأن الأدوار غابت، والإنتاج تراجع، والأزمة الاقتصادية التهمت الأحلام، والدراما اللبنانية التي كانت يوماً نافذةً مشرقة على العالم العربي أصبحت تكافح لتتنفس.
وأنا أطوي الصفحة، لم تغادرني فكرة واحدة: كم نحتاج في لبنان إلى مثل هذا الشعور… إلى دولة ترى الفنان بعين الوفاء لا بعين الإهمال.
في لبنان، لا يموت الفنانون مرةً واحدة. يموتون كل يوم عندما يتوقف الهاتف عن الرنين، وعندما يغيب المنتج، وتُلغى الأعمال، وتغلق شركات الإنتاج أبوابها، وتتحول الدراما إلى ضحية جديدة للأزمة الاقتصادية التي التهمت كل شيء.
كم من ممثل لبناني صنع وجداننا، وكبرنا على صوته وملامحه، ثم وجد نفسه، بعد أن تجاوز سن الشباب، خارج الحسابات، لا لأن موهبته انطفأت، بل لأن الصناعة نفسها أصبحت تحتضر. وكم من فنان يبتسم أمام الناس، فيما يخفي في قلبه قلقاً على لقمة العيش، وعلى مستقبل عائلته، وعلى كرامة عمرٍ أمضاه في خدمة الفن.
الفن ليس رفاهية، ولا ترفاً يمكن الاستغناء عنه. إنه هوية وطن، وذاكرة شعب، وقوة ناعمة لا تقل أهمية عن أي مشروع اقتصادي أو سياسي. وكل دولة تحترم ثقافتها تعرف أن الاستثمار في الفن هو استثمار في صورتها، وفي تاريخها، وفي إنسانها.
وأنا أقرأ قصة الرئيس السادات مع الفنانين ، وجدتُ نفسي أفكر في لبنان، وتمنيّت أن يأتي يوم يقرأ فيه رئيس لبنان قصة فنانٍ أنهكه التعب، فلا يكتفي بالحزن، بل يصنع قراراً يغيّر حياة المئات من بعده. فالفنان الذي منح الناس الفرح، يستحق من وطنه شيئاً من الوفاء.
من هنا، أتوجه إلى فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية، لا بصفتي كاتبة فحسب، بل مواطنة تخاف على صورة وطنها.
يا فخامة الرئيس، ادرك أن أمامكم ملفاتٍ وطنية مصيرية، وأن مسؤولياتكم كبيرة، من تثبيت الأمن، إلى مواجهة تداعيات الحرب، إلى إعادة بناء الدولة وإنعاش الاقتصاد، وكلها قضايا تستنزف الوقت والجهد. لكنني أؤمن أيضاً بأن الأوطان لا تُبنى بالسياسة وحدها، بل بثقافتها أيضا، وبفنها، وبصورتها التي تتركها في ذاكرة الشعوب.
لذلك، نرجو ألا تغيب الدراما اللبنانية عن اهتمامكم، وألا يغيب الفنانون عن رعاية الدولة. فهؤلاء ليسوا مجرد ممثلين، بل هم سفراء لبنان الحقيقيون، الذين حملوا اسمه إلى كل بيت لبناني وعربي، وحفظوا له مكانته الثقافية حتى في أصعب الظروف.
يا فخامة الرئيس…
لا نطلب المستحيل، ولا نغفل حجم التحديات التي تواجهونها. نطلب فقط أن يجد الفن مكاناً بين أولويات الدولة، وأن يشعر الفنان اللبناني أن وطنه لا يتذكره فقط عندما يصفق له، بل يقف إلى جانبه عندما تضيق به الأيام.
لعل قراراً واحداً، أو مبادرةً واحدة، أو التفاتةً صادقة، قادرة على أن تعيد الأمل إلى مئات الفنانين، وأن تمنح الدراما اللبنانية فرصةً جديدة لتنهض من أزمتها، فتعود كما عرفناها: نافذة لبنان الجميل إلى العالم.
سيدي الرئيس، أعدوا الاعتبار إلى الدراما اللبنانية. اجعلوا الفن قضية وطنية، لا ملفاً مؤجلاً. افتحوا باب الأمل أمام الممثلين الذين أفنوا أعمارهم على خشبات المسرح وأمام عدسات الكاميرا، ثم وجدوا أنفسهم وحيدين في مواجهة زمن قاس.
نريد صندوقاً يحفظ كرامة الفنان، وتشريعاتٍ تحميه، ورؤيةً تعيد إلى الدراما اللبنانية مكانتها، فحين تزدهر الدراما، لا يربح الفنانون وحدهم، بل يربح لبنان كله، لأن صورته الجميلة تعود إلى الشاشات بدل أن تبقى أسيرة نشرات الأزمات والحروب.
وأجمل ما يمكن أن يحدث، أن يأتي يومٌ لا يعود فيه فنانونا يعيشون الدراما في حياتهم اليومية… بل يكتفون بصناعتها لنا على الشاشة، فيما يعيشون هم حياةً تليق بما منحوه للبنان من إبداع وجمال.
