فن ومشاهير
فيلم” الفجر” لطوني ابو الياس في الصالات في اسبوع الاستقلال
جوزيفين حبشي
مجددا، وبعد ربع قرن على انتاجه وتصويره، يبزغ فيلم “الفجر” للمخرج طوني ابو الياس في صالات السينما ،ابتداء من 18 تشرين الثاني 2026 ، أي في أسبوع عيد الاستقلال.
جرت العادة في كل 22 تشرين الثاني، أن نستعيد ذكرى استقلال لبنان عام 1943، ونرفع العلم ونردّد الأغاني الوطنية. لكن الاحتفال، على أهميته، لا يعفينا من مواجهة سؤال ظلّ يرافقنا طوال عقود: ماذا بقي من استقلالنا بعدما تعاقبت الوصايات والتدخّلات والحروب، وصولاً إلى الانهيار الذي أصاب الدولة وأفقد المواطن ثقته بها؟ ليس في هذا السؤال انتقاص من تضحيات الذين ناضلوا من أجل الاستقلال، بل هو تذكير بالغاية التي ناضلوا من أجلها. فهم لم يريدوا للبنان أن يبدّل وصاية بأخرى، بل أن يكون وطناً حراً، قادراً على حماية أبنائه وتقرير مصيره.
وفي هذا الاطار يعود فيلم ” الفحر” حاملاً سؤالاً يتجاوز السينما: هل يأتي يوم يشعر فيه اللبناني بأن وطنه يملك قراره فعلاً؟ وانطلاقا من هذا التساؤل ، قرر طوني ابو الياس العودة الى فيلم من تاريخنا ، لا يبهت موضوعه، بعدما أعاد النظر فيه واضاف اليه مشاهد جديدة، وأجرى بعض التعديلات تقنية والصوتية. وهنا لا بد من الاشارة الى أن الاستعادة هي فعل ثقافي يحمي الذاكرة السينمائية من الاندثار، ويمنح الأجيال الجديدة فرصة اكتشاف أعمال تنتمي إلى زمن مختلف.
ايضا لا بد من الاشارة الى أن فيلم “الفجر” خضع عام 2000 لتصوير السينمائي على شريط 35 ملم ، وهي الطريقة التي صُوّرت بها أعداد هائلة من الأفلام السينمائية قبل الانتقال الواسع إلى التصوير الرقمي. هذا التصوير ليس مجرد تقنية قديمة، بل وسيط تصوير له خصائص جمالية وتقنية ما زال بعض المخرجين ومديري التصوير يفضّلونه حتى اليوم.
يعود فيلم ” الفجر” لعام 2000، وهو من انتاج محمد ياسين، و تدور أحداثه في مرحلة الانتداب الفرنسي، حول رامي الذي تُبعده السلطات الفرنسية إلى قرية يعمل فيها معلّماً، حيث يلتقي ناديا، الملاحقة بسبب مقالاتها المطالبة بالاستقلال. ومع وصول رياح التغيير من العاصمة، تبدأ سلطة الإقطاع المحلي المتحالفة مع سلطات الاحتلال بالتصدّع.
كتب الفيلم أنطوان غندور، وشارك في بطولته عدد من الممثلين اللبنانيين، مثل ميرنا خياط، التي تولّت أيضاً مونتاجه، ووجيه صقر وطارق تميم ووليد العلايلي وباتريك مبارك وعماد فريد وريمون صليبا واماليا ابي صالح.
عودة ” الفجر” اليوم تستحق الاهتمام لسبب يتجاوز الحكم النقدي عليه. فالأعمال السينمائية التي تتناول تاريخنا الوطني شبه نادرة، وإعادة عرضها تتيح لنا أن نتأمل في المسافة التي قطعها لبنان منذ الاستقلال، وفي المسافة التي لا يزال عليه أن يقطعها.

لقد عرفنا الحروب والاحتلالات، وشهدنا تراجع مؤسسات الدولة وانهيار العملة وضياع أموال المودعين، فيما اضطر كثيرون إلى مغادرة البلاد بحثاً عن الأمان وفرص العيش. لذلك، لم يعد الاستقلال بالنسبة إلى اللبناني مسألة حدود وعلم ونشيد وطني فحسب، بل بات مرتبطاً أيضاً بقدرته على العيش بكرامة في بلده، وبوجود دولة تحميه ولا تتركه وحيداً أمام الأزمات.
اليوم، ومع الآمال التي ترافق العهد الحالي والمرحلة الجديدة، تكتسب عودة “الفجر” دلالة تتجاوز إعادة عرض فيلم أُنتج قبل أكثر من ربع قرن. إنها فرصة لاستعادة حكاية الاستقلال من خلال السينما، وللتذكير بأن الفن يستطيع أن يعود إلى التاريخ لا ليكتفي باستحضار الماضي، بل ليساعدنا على فهم الحاضر أيضاً.
ويستحق طوني أبو إلياس التحية على قراره إعادة تقديم تجربته إلى الجمهور، ومنحها فرصة جديدة للمشاهدة والنقاش. فليس مطلوباً من كل فيلم يتناول قضية وطنية أن يكون تحفة فنية، كما أن الاختلاف حول مستواه لا يلغي أهمية المحاولة نفسها. ومن حق الجمهور أن يشاهد ويحكم، ومن حق الفيلم أن يُمنح هذه الفرصة.
في 18 تشرين الثاني، سنذهب إلى السينما لنشاهد “الفجر”، لا بدافع المجاملة ولا لأن المناسبة الوطنية تفرض علينا الاحتفاء بكل ما يرتبط بها، بل لأن تاريخنا يستحق أن يُروى، ولأن السينما اللبنانية تحتاج إلى تجارب تعيد فتح الأسئلة التي لم نجد لها أجوبة نهائية بعد.

أما السؤال الذي يتركه الفيلم خارج الشاشة، فهو سؤالنا جميعاً: هل سيصبح الاستقلال الذي احتفلنا به طوال هذه السنوات واقعاً نعيشه اخيرا ، لا مجرد ذكرى نستعيدها كل عام؟ لعلّ عودة فيلم “الفجر” تكون مناسبة للتفكير في ذلك. ولعلّ هذا البلد، الذي طال انتظاره لدولة تشبه أحلام أبنائه، يقترب أخيراً من فجر استقلال يستحقه هذه المرّة.
