Connect with us

فن ومشاهير

“زينا لبست خلخالها”… لترقص مذبوحةً من الألم

Published

on

جوزيفين حبشي

الطائر يرقص مذبوحا من الالم. أما زينا دكاش، فاحتاجت ان تخلع عنها اثقال الماضي، لتتمكن اخيرا من لبس خلخالها والرقص متحررة من الالم .
لم يحدث لي هذا من قبل. أن أشعر أنني عاجزة عن الكلام بعد مشاهدة عرض مسرحي. كيف يمكن أن أكتب عن مسرحية جعلتني ” أفقع” من الضحك اولاً، ثم ” أفقع” من البكاء؟
كيف اصف مسرحاً يدخل إلى أعماقي من باب الضحك، ثم يفاجئني بدمعة لا أعرف إن كانت دمعة فرح أم وجع؟
ذهبت إلى مسرح مونو لأشاهد “زينا لبست خلخالها” وأنا أتوقع، مثلما أعلنت زينا دكاش، شيئاً مختلفاً عن عالمها المسرحي الذي عرفناه: عرضاً أكثر خفة وبهجة، فيه رقص وضحك، بعد سنوات من الاشتغال على موضوعات ثقيلة ومؤلمة، وعلى الجراح النفسية والاجتماعية التي غالباً ما لا نجرؤ على الاقتراب منها.


ووفت زينا بوعدها، وهذه المرة مع كريم شبلي على المسرح وفي الكتابة والاخراج . معا ضحكا. رقصا. لعبا .
لكنهما، في الوقت نفسه، فعلا ما هو أصعب: هزّانا من الداخل.
ما قدماه البارحة ليس عرضاً خفيفاً بالمعنى السهل للكلمة. إنه عرض يعرف كيف يحمل ثقله من دون أن يستعرضه، وكيف يترك للضحكة أن تكون ممراً إلى الوجع، وللدمعة أن تأتي من مكان غير متوقع.

تبدأ مسرحية”زينا لبست خلخالها” وسط كراتين وأغراض وذكريات. زينا دكاش تستعد لتقديم عمل ميوزيكال، وتحاول أن ترتب حياتها وأن تمضي إلى الأمام. إلى جانبها صديق؟ قريب؟ (كريم شبلي) لا نعلم بعد ، ولكنه يعرفها اكثر من نفسها وموجود لمساعدتها على المضي قدماً كما يبدو ، وكأنه يدفعها بلطف إلى أن تترك الماضي وراءها. لكن زينا ليست مستعدة بهذه السهولة. فما إن تبدأ في التعامل مع كراتين الماضي، حتى تفتح معها أبواباً لم تُغلق أصلاً.


ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية: يوم جنازة والدها، إيلي الدكاش، كاتب العدل الراحل. بين المعزّين، والأخبار التي تتلاحق، والأحاديث الجانبية، والأسرار التي تبدأ في الظهور، نكتشف أن الماضي العائلي لزينا ليس مجرد ذكريات قديمة، بل حياة كاملة ما زالت تعيش في داخلها.
وهنا تأتي خصوصية هذا العمل الذي تعاون على كتابته واخراجه وتمثيله كل من زينا دكاش وكريم شبلي معاً. فهما لا يقدمان لنا حكاية جاهزة، بل يدخلان بنا إلى داخلها عبر لعبة مسرحية شديدة الحيوية، تتداخل فيها الكوميديا مع الحميمية، والذاكرة مع الحاضر، والضحك مع الوجع.
كنا أمام زينا وكريم، لكننا كنا أيضا أمام مجموعة من الشخصيات المختلفة: مضحكة، طريفة، غريبة، حزينة ومؤلمة. شخصيات تظهر وتختفي، وكأنها خرجت من صناديق الذاكرة العائلية. ومن شخصية إلى أخرى، ينتقل الاثنان بخفة وسرعة وإيقاع لافت، بحيث يصبح التحول نفسه جزءاً من متعة المشاهدة.


لكن هذه الشخصيات ليست مجرد “كراكتيرات” كوميدية. كل شخصية تحمل شيئاً من الماضي، وكل ظهور يضيف تفصيلاً جديداً على صورة العائلة، إلى أن يبدأ المشاهد في إدراك أن ما يبدو لعبة مسرحية مرحة يخفي وراءه طبقات أكثر عمقاً ووجعاً.
من خلال هذه الرحلة، سنكتشف أن زينا الطفلة اضطرت، في مرحلة ما، إلى أن تكبر قبل أوانها. لم تكن مجرد ابنة، بل أصبحت، بطريقة ما، “اخت الرجال”. حُمّلت مسؤوليات تفوق عمرها، وطُلب منها أن تكون قوية، وأن تتحمل، وأن تحمي، وأن تكمل.
وهنا يطرح العرض سؤالا إنسانيا من دون أن يحوله إلى درس مباشر: ماذا يحدث للطفل الذي نطلب منه أن يكون قوياً طوال الوقت؟ ومن يسأل هذا الطفل، عندما يكبر، إن كان قد تعب؟
ربما لا تؤذي العائلة أبناءها دائماً بما تفعله بهم، بل أحياناً بما تطلب منهم أن يكونوا عليه. والطفل الذي يُقال له إنه قوي وعامود البيت ،قد لا يجد لاحقاً من يسأله إن كان يحتاج هو أيضاً إلى من يسنده.
لهذا تصبح الكراتين أكثر من مجرد ديكور. إنها ذاكرة عائلية مرئية. أوراق وملفات وأغراض تركها الأب، لكنها في الوقت نفسه مفاتيح إلى الطفولة والشباب والزواج والعائلة والخسارات والأشياء التي لم تجد طريقها إلى الكلام.


وهنا تحسب للمسرحية قدرتها على جعل عناصرها البصرية جزءاً من الدراما. الأزياء، والإضاءة، والموسيقى، والصناديق الكرتونية، كلها تخدم الحكاية ولا تأتي كزينة منفصلة عنها. تتبدل الأجواء معها، ويتغير الإيقاع، فننتقل من موقف مضحك إلى لحظة حميمة أو موجعة من دون أن نشعر بأن الانتقال مفتعل.
زينا دكاش وكريم شبلي يملكان كيمياء أدائية واضحة. يلعبان معا بخفة، ويعرفان كيف يتركان مساحة للضحك، ثم يسحباننا فجأة إلى مكان آخر. والأجمل أن الكوميديا هنا ليست نقيض الألم، بل طريق الوصول إليه.
زينا دكاش، التي اعتدنا أن تدخل في أعمالها السابقة إلى المناطق الأكثر قسوة في النفس والمجتمع، اختارت هذه المرة أن تقدم وجعها بطريقة مختلفة. أرادت أن تضحك وترقص، وقد فعلت. لكنها لم تتخلَّ عن عالمها السابق، بل غيّرت طريقة تقديمه.


أخذت الوجع معها، لكنها جعلته يضحك. جعلته يرقص. جعلته يتنكر في شخصيات متعددة. ثم، عندما نطمئن إلى أننا أمام عرض خفيف ومرح، تفاجئنا بما هو أبعد من الضحك. وهنا يصبح عنوان المسرحية نفسه مفتاحاً لقراءتها: “زينا لبست خلخالها” جملة فيها حركة وفرح وأنوثة ورقص، لكنها تأتي في حكاية تبدأ من الموت ومن جنازة الأب ومن ماض عائلي لم يُغلق. كأن زينا لا تستطيع أن ترقص قبل أن تنتهي من ترتيب ما بقي وراءها.
وكأن الرقص هنا ليس هروباً من الماضي، بل نتيجة للمواجهة معه.

وفي النهاية، تأتي لحظة تعيد ترتيب ما شاهدناه كله. فجأة نفهم أن ثمة غياباً كان حاضراً طوال الوقت، حتى وإن لم يُذكر اسمه. شخص اختار أهله، أو اضطروا، إلى أن يتركوا اسمه خارج الكلام، لأن مجرد استحضاره يفتح وجعاً لم يعرفوا كيف يواجهونه.
وهنا تكمن قوة المفاجأة: ليس في كشف سر مخبأ فحسب، بل في اكتشاف أن الصمت نفسه كان جزءا من الحكاية. أن هناك أشخاصا قد يغيبون عن ذاكرة العائلة الظاهرة، لكنهم لا يغيبون عن ذاكرتها الحقيقية. وأن محاولة حماية النفس من الألم، عبر عدم الكلام، قد تتحول مع الوقت إلى شكل آخر من أشكال الحضور والوجع.
لن أفسد المفاجأة بالكشف عن تفاصيلها. يكفي القول إن ما نكتشفه في النهاية يجعلنا نعيد النظر في بعض الشخصيات والمواقف والإشارات التي مرّت أمامنا من دون أن ننتبه إلى معناها الكامل. فجأة، يصبح ما أضحكنا قبل دقائق أكثر مرارة، وتصبح بعض التفاصيل الصغيرة أثقل مما بدت عليه. ليس كل ما لا نتحدث عنه قد انتهى، وليس كل من لا نذكره قد غاب. أحياناً يكون الاسم الذي نتجنب نطقه هو الأكثر حضوراُ في البيت، والأكثر تأثيراً في الذين بقوا.


“زينا لبست خلخالها” ليست مسرحية عن أب مات، ولا عن طفولة، ولا عن عائلة، ولا عن فقد فقط. إنها مسرحية عن الذاكرة وما تفعله بنا، وعن الأشياء التي نحملها أكثر مما يجب، وعن قدرتنا، بعد كل ما مررنا به، على أن نبدأ من جديد.
زينا دكاش قالت إنها تريد أن تضحك وترقص على المسرح. فعلت. لكنها، بمشاركة كريم شبلي، جعلتنا نكتشف أن الرقص لا يعني غياب الألم، وأن الفرح ليس دائماً نقيض الحزن.
أحياناً نحتاج فقط إلى أن نفتح الصناديق، أن نواجه ما فيها، أن نرتب كراكيب أرواحنا، ثم نغلقها.وعندها فقط، ربما نستطيع أن نلبس خلخالنا من جديد و…” نرقص”.

Advertisement
Ad placeholder
Continue Reading
Advertisement Ad placeholder
Advertisement Ad placeholder

التقويم

أكتوبر 2026
ن ث أرب خ ج س د
 1234
567891011
12131415161718
19202122232425
262728293031  

الارشيف

© كافة الحقوق محقوظة 2023 | أخبار الشرق الأوسط - News Me | تصميم و تطوير TRIPLEA