فن ومشاهير
من “أغنية تعيش” إلى “أغنية تنتشر بسرعة”
جوزيفين حبشي
” بدنا نروق” و” تفه” و”يا ح….” و “بتعرف أمي، بتعرف بيّي” و”تيابك بيضلّوا عالكرسي لا بخزانة ولا بغسيل، وقاصّة من شعراتي سنتي، وما انتبهت؟ لأ، ما بشييييل” و “ايه روح يا”….
طبعاً بعرف هيفا وبعرف ميريام ، وبعرف غيّرهن كثيرات، وأكيد بعرف سر هذه الموضة الغنائية القائمة على فلسفة جديدة للانتاج الفني ، تتلخّص بالتالي: من “أغنية تعيش” إلى “أغنية تنتشر بسرعة”.
ما تقدّمه ميريام فارس مثلاً في “ما بتعرفني” (كلمات أحمد ماضي، ألحان يحيىالحسن، توزيع هاني يعقوب) لا يبدو مجرد أغنية جديدة، بل محاولة واضحة للتماهي مع موجة غنائية أثبتت قدرتها على صناعة الترند بسرعة. أغنيات تعتمد على تعابير لبنانية شعبية يرددها الناس في حياتهم اليومية، فيها خفة وطرافة، وتتحول بسهولة إلى مقاطع متداولة على مواقع التواصل. وهو اللون نفسه الذي لفت الأنظار أخيراً مع أغنيات مثل “بدنا نروق” و”شو المطلوب” لهيفا وهبي. لكن الترند شيء، وصناعة الأغنية التي تعيش لسنوات شيء آخر.

Screenshot
من يستمع إلى ميريام فارس اليوم، ثم يعود إلى بداياتها مع أعمال مثل “أنا والشوق” و” ناديني” و” حقلق راحتك” و” أنا مش انانية” و” أنا ليك”وغيرها، يلاحظ الفارق الكبير. في تلك المرحلة كانت الأغنية تُبنى على لحن قوي، وإحساس واضح، وهوية فنية مميزة. أما اليوم، فيبدو أن الرهان أصبح على سرعة الانتشار أكثر من البقاء.
صحيح أن ميريام قدّمت في السابق أغنية “كيفك إنت ” التي تعتبر من انجح اغنياتها، واستخدمت فيها عبارة شعبية لبنانية دارجة، لكنها بنت حولها أغنية متكاملة: كلمات، لحن، أداء، وكليب. وهذا يفسر لماذا ما زال الناس يرددون “كيفك إنت… إنشالله منيح” بعد أكثر من عقد، بينما تختفي كثير من الأغنيات التي تحقق ضجة كبيرة بعد أشهر قليلة. هذه الأغنية تُعد مثالاً على عمل جمع بين الشعبية والقيمة الفنية، ولم يكن مجرد أغنية صنعتها موضة عابرة. أما في الأغنيات الرائجة اليوم، فيشعر البعض أن العبارة الشعبية أصبحت هي الهدف بحد ذاته، وأن اللحن والكلمات يدوران في خدمتها لإنتاج ترند سريع.

Screenshot
اليوم، عندما تُعرض على مغنّية ترغب بتراند سريع، اغنية تتضمّن تعابير شعبية ساخرة واحيانا صادمة، توافق سريعا وتقول ” بشييييل”. هذه ليست مشكلة ميريام وحدها، بل معضلة تواجه كثيرا من المغنيات بعد سنوات طويلة في القمة، لأن الحفاظ على النجاح أصعب بكثير من تحقيقه. وعندما تبدأ البوصلة بالاهتزاز، تلجأ كثيرات إلى ملاحقة الموضات الغنائية الرائجة، على أمل استعادة الزخم الجماهيري.
لكن التاريخ الفني يثبت أن هناك فرقاً بين من يلاحق الموجة، ومن يصنعها. وقليلات جداً هن النجمات اللواتي استطعن الحفاظ على مستوى فني ثابت لعقود، من دون أن يفقدن هويتهن أو يقدمن تنازلات لإرضاء الترند. ومن أبرز هذه النماذج إليسا، التي حافظت طوال نحو خمسة وعشرين عاماً على خط فني واضح، وخيارات رائعة، وجودة أعمال جعلتها حاضرة في كل مرحلة، لا لأنها ركضت خلف الموضة، بل لأنها حافظت على شخصيتها الفنية. فالترند قد يصنع ضجة لأيام أو أسابيع… أما الأغنية الحقيقية، فهي التي تبقى في الذاكرة بعد أن يهدأ كل شيء.
طبعا ليس من الخطأ ان يستفيد الفنان أحياناً من روح العصر في التوزيع أو الإيقاع أو الكلام، ولكن بشرط ألا يجعل هذا اللون محور أعماله، وألا تقوم الاغنية أساساً على “الإفيهات” أو التعابير الشعبية الساخرة أو جملة مصممة لتصبح “ترند”. وهنا تحديدا يظهر الفارق بين الفنان الذي يطوّر أسلوبه ليتماشى مع الزمن، والفنان الذي يغيّر هويته ليلحق بالموضة. الأول يحافظ على شخصيته، والثاني يخاطر بفقدانها.
