ثقافة
باريس… لم أحبها فوراً
جوزيفين حبشي
في منتصف التسعينات، زرت باريس للمرة الأولى. لم أحبها فوراً.
كنت أمشي في شوارعها كمن يبحث عن شيء مفقود، عن علامة صغيرة تؤكد لي أنني فعلاً في المدينة التي حلمت بها طويلاً. لكن شيئاً ما لم يكن حاضراً… شيء غير مرئي، غير قابل للتسمية، لكنه أساسي بالنسبة لي أكثر من الأبنية والواجهات والنهر وبرج ايفل.
كنت أشعر، وبإصرار غريب، أنني لست في باريس. كيف يمكن لهذا أن يكون باريس؟ المدينة التي رأيتها آلاف المرات قبل أن أصل إليها أصلاً.
ثم بدأت أفهم، ببطء يشبه الاستيقاظ من حلم طويل، أن باريس التي سكنت في ذاكرتي لم تُبنَ من الحجر، بل من الضوء. لم تُصنع من الشوارع الحقيقية، بل من مشاهد السينما.

Screenshot
باريس التي أحببتها لم تكن مدينة… كانت لقطة. كانت امرأة تمشي وحدها على جسر ميرابو ، معطفها يتحرك مع الريح، وكاميرا تتابعها بصمت جميل على ايقاع صوت شارل ازنافور وهو يغني La Bohème …
كانت باريس مقهى صغيراً في مونمارتر ، فيه اديت بياف تغني non je ne regrette rien , وفيه رجل يكتب رسالة لا يرسلها أبداً.
كانت باريس حبيبين يمارسان حبهما بشغف محموم، هي تردد له je suis une femme jamoureuse وهو يهمس لها : que je t’ aime

Screenshot
كانت باريس كاتدرائية نوتردام العظيمة، المهيبة التي تتوهج كشمعة امام تمثال العذراء مريم، وتتمايل كجسد ازميرالدا على انغام:
Laisse-moi rien qu’une fois
Glisser mes doigts dans les cheveux d’Esméralda
كانت باريس قبلة تتأخر قليلًا قبل أن تحدث، وموسيقى فرنسية خفيفة تتسلل من خلف الصورة كأنها تنتمي إلى الهواء نفسه… موسيقى؟؟؟ نعم إنها الموسيقى. كنت أعرف باريس من خلال الموسيقى أكثر مما أعرفها من خلال الخرائط. كل الافلام التي رأيتها وكل الاغنيات التي سمعتها كانت تضيف طبقة جديدة من الوهم الجميل. ومعها كانت الأصوات تتكرر، كأنها جزء من المدينة نفسها.

Screenshot
اديث بياف كانت تزرف على باريس دمعة خفيفة. داليدا كانت تمنح عاصمة النور الوهج والوجع، سيرج غينسبورغ كان يزرع في المشهد شيئاً من التمرد والغرابة، وازنافور كان يجعل كل زاوية أعمق مما هي عليه، فتبدو باريس كذكرى لا كمدينة. مع الموسيقى، كانت باريس تعرف كيف تصرخ دون أن ترفع صوتها.

Screenshot
هكذا تشكّلت باريس في داخلي: مدينة لا تسير وحدها، بل تُرافقها موسيقى دائماً. مدينة لا تُشاهد بصمت، بل تُعاش كأنها مشهد سينمائي مستمر.
لكن الواقع كان مختلفاً. في أول لحظة مشيت فيها في شوارعها، كان كل شيء صامتاً أكثر مما توقعت. لا موسيقى. لا إيقاع خفي. لا كاميرا تختار الزاوية الأجمل. فقط مدينة تمارس حياتها اليومية بلا اهتمام بأن تكون جميلة. أين الموسيقى؟ لماذا تبدو المدينة وكأنها فقدت صوتها الذي لطالما حفظته عن ظهر قلب؟

Screenshot
كنت أمشي في شوارع باريس وازقتها وجسورها ، وأنتظر أن تبدأ الموسيقى من تلقاء نفسها… لكنها لم تبدأ.
عندها فقط شعرت بشيء يشبه الصدمة الهادئة. لم تكن المشكلة في باريس، بل في الصورة التي كوّنتها عنها. لقد عشت سنوات داخل نسخة خيالية من المدينة، صنعتها السينما والموسيقى، وعندما وصلت إليها، لم أكن أبحث عن مكان… بل عن حلم.
ومع ذلك، شيئاً فشيئاً، بدأت أحب باريس الحقيقية. ليس لأنها تشبه الأفلام، بل لأنها لا تحاول أن تشبه افكارنا حولها. فهمت أن المدن لا يجب أن تُشبه ما نراه عنها، بل ما نكتشفه فيها حين نتوقف عن المقارنة.
لكن تلك اللحظة الأولى ستبقى دائما عالقة في ذاكرتي: لحظة أدركت فيها أن أجمل ما في بعض المدن ليس وجودها الحقيقي، بل الطريقة التي صنعناها بها في خيالنا.
